بحوث في الطب والصيدلة

جدلية علم الجينات وتحديد الأصول

جدلية علم الجينات وتحديد الأصول

لقد تزايدت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تربط أصول الناس بتحليلهم الجيني، فيعتبرون أن العرق يمكن تحديده من خلال الشركات التي تعنى بتحليل الحمض النووي، وهذا مفهوم خاطئ عديم الصحة في الوسط العلمي، فالعرق لا يمكن تحديده من خلال علم الوراثة وإنما يتم إستغلاله لجلب المستهلكين وتحقيق الأرباح بالدرجة الأولى، تقول الدكتورة روزي كامرون (‏Rose Cameron‏) أستاذة في علم النفس بجامعة إدنبورغ البريطانية، إن العرق عاد إستغلاله أكثر من أي وقت مضى ولكن هذه المرة من طرف الشركات الجينية .

فشركات تحليل الحمض النووي تبيع الوهم بالعرق للمستهلكين، وتستعين في سبيل ذالك بأشخاص مشهورين أو حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يستغلون جهل الناس لتمرير هذه الأفكار العلمية المغلوطة، وتوجههم للقيام بالتحليل هم بدورهم كي يكتشفوا أصولهم المزعومة من الشركة.

وقد أصبحت هذه الشركات تحقق أرباحا طائلة من خلال هذه العملية، قدرت الصحفية جورجينا لوتون (Georgina Lawton) في مقال على صحيفة الغاردين (The Guardian)، أن أرباح هذه الصناعة أصبحت تفوق 7 مليار جنيه إسترليني.

ويبقى السؤال المطروح هنا، ما مدى مصداقية هذه التحاليل في تحديد الأصول ؟ وهل علم الجينات علم دقيق كما يزعم دعاته ؟

إقرأ أيضا:نسبة السلالة E-M81 حسب دراسة Bosch et al. 2001 وكشف التدليس حول أصول السلالة E-M35

إذا ما رجعنا للدراسات العلمية وأقوال العلماء في مجال البيولوجيا وعلم الوارثة نجدهم يقرون أن البشر متشابهيين وراثيا بنسبة 99.9%، وأن الإختلاف بينهم يقتصر على ما قدره 0.1٪، يقول الدكتور بروسانتا تشاكرابارتي (Chakrabarty) أستاذ علم الأسماك والتطور والنظاميات بجامعة ولاية لويزيانا بأمريكا في كتابه (Explaining Life Through Evolution) أن البشر جميعا متشابهون بشكل ملحوظ من حيث الحمض النووي الإختلاف يكون أقل من بين أي شخصين، لذالك لا يوجد الكثير مما يجعلنا فريدين، ومن شبه المؤكد أننا لا نملك الجينومات أو أي من الحمض النووي لأي من أجداد أجدادك“.

وبناءً عليه فإن فكرة أن الأعراق تختلف خصوصيتها الجينية بإختلاف الإثنية هو مفهوم خاطئ، بل إن جميع الأعراق تتشارك نفس السمات الوراثية، وكل عرق يكون على سلالات جينية مختلفة ومتنوعة، ولذالك لايمكن خصخصة هابلوغروب كروموسوم واي (Y-chromosome) على عرق معين، فلا يمكن أن نقول أن السلالة الذكورية J1 تخص العرب أو السلالة الذكورية E تخص الأفارقة، هذا إستنتاج معدوم في الوسط العلمي.

وفي هذا السياق نستعين بما قاله العالمان من جامعة أوكسفورد البريطانية، سازاكو كوزوكي (‏Kazuko Suzuki) وديغو ڤاسانو (‏Diego A. Von Vacano) في مؤلفهما المعنون ب (RECONSIDERING RACE) الصفحة 82 :

إقرأ أيضا:أصل السلالة E والسلالة الأفروأسيوية E_M35

“لا يمكن تفسير الحمض النووي للميتوكوندريا أو مجموعة هابلوغروب الكروموسوم Y كمؤشر على الهوية العرقية أو العرقية العميقة “. أي أنه لا يحدد لك إن كنت عربي أو فارسي… إلخ، وهذا راجع لعدة تفسيرات علمية أوردها المؤلفان في الكتاب.

RECONSIDERING RACE social science perspectives on racial categories in the age of genomics, edited by KAZUKO SUZUKI and DIEGO A. VON VACANO with preface by HENRY LOUIS GATES, JR، Page 82

أما الدكتورة ريبيكا أ.مارتوسفيتش (Rebecca A. Martusewicz) والأستاذ جون لوبيناتشي (John Lupinacci) فيقولون في كتابهم ( EcoJustice Education Toward Diverse, Democratic, and Sustainable Communities 2nd Edition) حول مصداقية التحاليل الجينية :

“يفترض أن بعض الحمض النووي للميتوكوندريا يمكن أن يشير إلى المكان الذي جاء منه أسلافنا، وأنه يمكن استخدامه لتتبع الهجرات التي ربما قاموا بها، إلى أنه لا يمكن للحمض النووي تحديد “عرق” أي شخص. وفقًا للعمل المنجز في مشروع الجينوم البشري “.

EcoJustice Education, by Rebecca A. Martusewicz, Jeff Edmundson, and John Lupinacci, Page 209

وبالتالي بما أن الحمض النووي لا علاقة له بتحديد العرق أو الأصول، فما هي العملية التي تقوم بها شركات تحليل الحمض النووي، لتوهيم الناس بعرقهم واصولهم، في هذا السياق يقول العالم البريطاني نيكولاس روز (Nikolas rose)، أستاذ علم الإجتماع بكلية لندن في كتابه (The politics of life itself) الصفحة 177 :

إقرأ أيضا:التأثير الجيني العربي حاضر بقوة لدى الأندلسيين حسب دراسة جينية جديدة

“جامعة أكسفورد أنشأت سنة 2001 ، oxford ancestors، وقد أجرى هذا المركز أكثر من 10000 تحليل لمن أراد تتبع أصوله وبالرغم من هذا كان يؤكد العلماء القائمين على المركز قائلين « نحن جميعًا بشر ويمكننا إثبات ذلك !… ، ولا توجد صلة بين تسلسل الحمض النووي والعرق أو الإثنية »، ولهذا فهم يصنفون علاماتهم (Markers)، في مصطلحات مثل “أوروبي” أو “أمريكي“.

The Politics of Life Itself Biomedicine, Power, and Subjectivity in the Twenty-First Century, by dr Nikolas Rose, Page 177

وعليه فشركات التحليل الجيني تعطيك أصلك من خلال النطاق الجغرافي الذي تواجد فيه أسلافك، فمثلا قام شخص من المغرب بتحليل لدى إحدى هذه الشركات فإن النتيجة التي تعطيها له حول أصوله أنه شمال إفريقي، ونفس الأمر يتكرر مع الأسيوي والأوروبي والأمريكي، ولا يمكن تفسير هذا مؤشرا على العرق فعندما نقول شمال إفريقي فلا يعني هذا عرقا معينا بل مكانا تواجد فيه أحد أجدادك منذ 100 سنة، أما أكثر من هذه المدة فيظل مجرد تقدير من الشركة، مع أن العلماء يؤكدون أن هذه الشركات تظل عديمة المصداقية ونتائجها تقديرية مشكوك فيها ولو داخل نطاق المائة سنة فقط.

بحيث يقول يقول الباحثان أوساجي ك.أوباسوجي (Osagie K. Obasogie)، ومارسي دارنوفسكي (Marcy Darnovsky)، في مؤلف علمي مشترك عنوانه (BEYOND BIOETHICS TOWARD A NEW BIOPOLITICS)، الصفحة 424 :

.

” إن الشركات الجينية تفشل في تحديد الأصول ولو كانت تتوفر على قواعد البيانات التي تحتوي على 10000 إلى 20000 عينة. ولا يدرك العديد من المستهلكين أن الاختبارات الجينية احتمالية ويمكن أن تصل إلى استنتاجات غير صحيحة ..، كما أن هذه الإختبارات الجينية لا تحدد العرق فكما نصوا في الكتاب لا توجد علاقة واضحة بين الحمض النووي للفرد وانتمائه العرقي أو الإثني.

BEYOND BIOETHICS TOWARD A NEW BIOPOLITICS, by OSAGIE K. OBASOGIE MARCY DARNOVSKY., Page 424

كما يؤكد العالمان في نفس المرجع محدودية هذا التحليل في تحديد نشأة السلالة الجينية قائلين :

.

” تزعم العديد من اختبارات السلالة الجينية أيضًا أنها تخبر المستهلكين بمكان نشأة سلالة أجدادهم والمجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها أسلافهم. ومع ذلك، نادرا ما تكون أنماط الإقامة الحالية متطابقة مع ما كان موجودًا في الماضي” .

وهو نفس الكَلاَم الذي صرَحت به الدكتورة روزي كامرون (Rose Cameron) في مؤلفها الذي يحمل عنوان (Working with DIFFERENCE & DIVERSITY in COUNSELLING & PSYCHOTHERAPY) الصفحة 24 والذي كان مضمونه :

“يمكنهم إخبارك بمن ترتبط به الآن عن طريق مقارنة العلامات في جيناتك بالعلامات من هؤلاء الأشخاص الآخرين حول العالم…، فهم يعملون على تحديد “أسلافك” على أساس من تشارك الحمض النووي معه الآن (الحاضر)، ولكن لا يمكن لهم تحديد أسلافك قبل قرن مضى ” .

Working with DIFFERENCE & DIVERSITY in COUNSELLING & PSYCHOTHERAPY, By ROSE CAMERON

وهذا ما يدحض فكرة تتبع الأصل إلى الجدود العشرة الأوائل أو حتى الخمسة، فعلم جينات لا يستطيع تحديد أصول أي شخص قبل 100 سنة خلافا للتوهيمات التسوقية التي يعتمدونها.

وما نخلص له من خلال ما سلف أن علم الجينات هو من العلوم النظرية النسبية التي تقوم على الفرضيات التي قد تكون صحيحة أو خاطئة، وبالتالي لا يمكن الإعتداد به كمؤشر على تحديد الأصول ولا العرق، بل هو كما يقول أهل الإختصاص للتسلية لا أكثر، وربطه بأفكار قومية إيديولوجية للطعن في أصول الناس وعرقهم منطق خالي من الصفة العلمية.

فإنعدام العلاقة بين العرق والسلالات الجينية هو حقيقة مثبتة علميا لانقاش فيها، تصرح الدكتورة ريبيكا أ.مارتوسفيتش (Rebecca A. Martusewicz) مستعينة بما قاله القسم الأمريكي للطاقة مكتب العلوم (US, DÉPARTEMENT OF ENERGY OFFICE OF SCIENCE) في نفس المرجع السالف :

” لا تشير دراسات الحمض النووي إلى وجود سلالات (أعراق) منفصلة يمكن تصنيفها داخل الإنسان الحديث….. ولا توجد أنماط متسقة من الجينات عبر الجينوم البشري لتمييز عرق عن الآخر، ولا يوجد أيضًا أساس جيني لتقسيمات العرق البشري “.

EcoJustice Education, by Rebecca A. Martusewicz, Jeff Edmundson, and John Lupinacci, Page 209

وتضيف قائلة :

” لقد ثبت أن هناك تباينا جينيًا داخل الأعراق أكثر مما يوجد بينها “.

وقد أصدرت جامعة أوكسفورد فيديو توضيحي للدكتور ألان ماكهوين (Alan McHughen) عالم في علم الوراثة الجزيئية وأخصائي في التكنولوجيا الحيوية، يشرح فيه إنعدام العلاقة بين علم الجينات والعرق وأنه لا يمكن إعتبار سلالة جينية معينة أنها خاصة بعرق أو إثنية دون غيرها عكس الفهم الخاطئ الذي يروج من المتطفلين على هذا العلم. (يمكن قراءة ملفه بالضغط هنا)

مقتطف من محاضرة صوتية للدكتور ألان من جامعة أوكسفورد

إظافات

إلى جانب ماسلف ذكره من المعطيات نستعين أيضا كإظافة بدراسة علمية عنوانها (The Science and Business of Genetic Ancestry Testing)، التي أشرف عليها 14 دكتور متخصص في جينالوجيا الحمض النووي، وقد أكد فيها العلماء محدودية التحاليل الجينية في تحديد العرق والأصول بصريح العبارة بقولهم :

.

” الناس غالبًا ما يشترون الاختبارات الجينية للتعرف على عرقهم أو إثنيتهم، ولكن لا توجد علاقة واضحة بين الحمض النووي للفرد وانتمائه العرقي أو الإثني” .

The Science and Business of Genetic Ancestry Testing, Page 400

ويضيف العلماء في نفس الدراسة :

” تزعم العديد من اختبارات السلالة الجينية أيضًا أنها تخبر المستهلكين بمكان نشأة سلالة أجدادهم والمجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها أسلافهم . لكن في الحقيقة، نادرًا ما تكون أنماط الإقامة الحالية مطابقة لما كان موجودًا في الماضي “. (١)

وعلى نفس المنوال تذكر الدكتورة أني هارت (Anne Hart)، أستاذة علم الأعصاب ورئيسة قسم علم الأعصاب بجامعة براون الأمريكية في كتابها المعنون ب (Predictive Medicine for Rookies: Consumer Watchdogs, Reviews, & Genetics ) وهي تتكلم عن إحتمالية فاعلية التحاليل الجينية على مستوى النظام الغدائي حقيقة حول تحاليل الأنساب الجينية فتقول :

.

” ملخصا إختبار الحمض النووي لكروموسوم mtDNA أو Y-chromosome، للأصول العميقة…، لا يعد اختبارًا لنسبك العرقي ” .

Predictive Medicine for Rookies :Consumer Watchdogs Reviews, page 162

ومما يتبين لنا من كل ما أوردناه من معلومات ومراجع هو إجماع وتواتر أهل الإختصاص على إنعدام الرابطة بين علم الجينات والعرق من جهة، ومحدودية علم الجينات في تحديد الأصول من جهة أخرى.

مرفقات

حاول أحد الأجانب إثبات محدودية علم الجينات والسلالات في تحديد العرق كما أوضحنا علميا سالفه، فقام بإرسال عينة لسحليته(IGUANA)، مكان عينته لشركة مختصة في تحليل الجينات، فكانت النتيجة أنها من أصول عرقية إفريقية وحاملة للسلالة E على أحد تحوراتها، وهذا مايقطع الشك باليقين حول تفاهة هذا العلم فيما يخص الأنساب والعرق. (راجع المقطع أسفل وراجع المقال هنا أو هنا)

وإن رجعنا لتصريح وزارة الطاقة الأمريكية (قسم العلوم) كمدعم لما أسلفناه من معلومات، فإنه كان صريحا وحاسما حول محدودية هذا العلم وإنعدام العلاقة بينه وبين العرق أو الأصول فكان مضمونه :

يمكن مراجعة المقتطف (هنا)

وقد جاء في دراسة منشورة على المجلة الطبية العلمية المحكمة (PubMed Central)، حول العلاقة بين علم الجينات والعرق “أكد الانتهاء من مشروع الجينوم البشري في عام 2003 أن البشر متطابقون بنسبة 99.9 ٪ على مستوى الحمض النووي ولا يوجد أساس وراثي للعرق “.

مقتطف من الدراسة على مجلة (PMC)

١ : للعلم هذه الدراسة منشورة في كل المجلات العلمية التي تعنى بعلم الجينات تجدونها في الروابط أسفله :

رابط الدراسة من جامعة هارفرد :
https://dash.harvard.edu/handle/1/2920215

السابق
حركة الترجمة 3 : خطأ قاتل
التالي
طارق بن زياد الصّائِدِيُّ عروبة النسب ودلائل الأثر

6 تعليقات

أضف تعليقا

  1. أحمد ريسموكي قال:

    مقال رائع واضح شكرا لكم

    1. أثينا قال:

      احسنتم شكرا على المقال الزاخر بالمعلومات والمصادر
      وان ينصركم الله فلا غالب لكم

  2. سلمى العالمي قال:

    معلموات قيمة وتوضيح متالي 👏

  3. محمود علي قال:

    موفقين بإذن الله

  4. محمد قال:

    mohamedhaydi789@gmail.com
    المقال جميل شكرا على هذه المعلومات القيمة

اترك تعليقاً