تاريخ العلوم

أصول سكان شمال إفريقيا القدامى من خلال أقوال ساللوستيوس 86 ق.م

لطالما كانت بلاد المغرب نقطة لهجرات بشرية متنوعة من الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا منذ فجر التاريخ وهذا ما يجعلها مميزة بتعدد روافدها العرقية واللغوية والثقافية.

فإن ساكنة شمال إفريقيا في العهد القديم ( الإغريقي والروماني) كانت توصف بالتعددية بحيث تضم مجموعة من الشعوب ذات الأصول المختلفة إنصهرت فيما بينها، وهذا ما أكده ساللوستيوس 80 ق.م، وبالتالي فإن مسألة السكان الأصليين البربر أو الأمازيغ في شمال إفريقيا هو مجرد وهم وضع أسسه العرب وأعاد شرارته الإستعمار.

وسنتناول في هذا المقال بيان أصول الساكنة القديمة في شمال إفريقيا من خلال ما نقله لنا ساللوستيوس من الكتب القرطاجية البونيقية التي قال أن كاتبها هو (Hiempsal) هيمبسال، وأيضا من خلال أقوال السكان نفسهم.

من هو ساللوستيوس

هو ساللوستيوس كريسبوس ‏Galus Sallustius Crispus ولد عام 86 قبل الميلاد في مدينة أميتيرنوم Amiternum‏ الواقعة شمال شرق روما ومات بروما عام 36 ق.م، ليس لدينا معلومات كثيرة عن الفترة المبكرة من حياته وشبابه، لكن من خلال كتاباته يبدو أنه كان طالباً مميزاً في الآداب الإغريقية و اللاتينية كما يخبرنا في مقدمته لعمله الموسوم بـ (حرب كاتيلينا) Bellum Catilinae لاسيما أنه كان يريد أن يهب حياته لبحث ودراسة الأحداث التاريخية لكن دوامة الحياة السياسية جذبته إلى ساحتها في وقت لم يتمتع فيه حقل الأدب بالتشجيع اللازم ولأنه كان شعبياً بمولده فقد صار موالياً لحزب العامة وظل ديمقراطياً وانتخب تربيون لحزب عامة الشعب | Tribunus plebis للمرة الأولى عام 52 ق.م.

إقرأ أيضا:الشيخ الدكتور سعيد الكملي من قطر: ندوة “تأثير الحضارة الإسلامية على الغرب”

عندما اندلعت الحرب الأهلية عام 49 ق.م، انحاز ساللوستيوس دون تردد إلى معسكر قيصر ‏Caesar وكان من أشد أنصاره حماساً وساهم في الحملة ضد بومبيوس (بومبي) Pompeus في أليريكوم Illyricum ، وفي عام 47 ق.م، إنتخب بريتور Praetor وأعيد إلى مجلس الشيوخ وبعدما حصل على ثقة القيصر التامة فأرسله في مهام كثيرة، منها تكليفه له في عشية الاستعداد للحملة ضد أفريقيا عندما تمرد بعض جنود قيصر و قتلوا أعضاء مجلس الشيوخ .

بعد الحرب استلم ساللوستيوس مهمة البروقنصل أي [الحاكم أو الوالي] لولاية أفريقيا التي أعيد تنظيمها مثل أغلب الولايات وسميت ولاية أفريقيا الجديدة Africa Nova، وجمع ثروة ضخمة فإتهم بالابتزاز بعد عودته إلى روما و برئت ساحته بتدخل قيصر، وقد استعمل سالوست ثروته في إنشاء حدائق ساللوستيوس المشهورة Horti Sallustiani قرب بوابة سولاريا Porta Solaria على جبل كوريني.

وبالتالي يتضح لنا أن ساللوستيوس كان أديبا مثقفا مؤرخا من العائلات النبيلة الرومانية التي لعبت دورا مهما في تاريخ الإمبراطورية، وما يميز ساللوستيوس لإستعانتنا بأقواله حول شعوب شمال إفريقيا قديما وأصولها، أنه كان حاكما في إفريقيا يعلم شعوبها وما يقولونه عن أصولهم كما كان متقنا للبونيقية مما جعله يترجم كتبا محلية كتبها سكان المنطقة.

إقرأ أيضا:قبائل المغرب لعبد الوهاب بن منصور

شعوب شمال إفريقيا وأصولها من خلال ما نقله ساللوستيوس

يقول ساللوستيوس : ” في البداية كان الجايتولي Gaetuli والليبيون Libyes يسكنون أفريقيا وهم شعوب خشنة وغير متمدنين ولا تحكمهم أية أعراف أو قانون ولا يخضعون لأي سلطة حاكمة وكانوا بدواً رحلاً ينصبون مساكنهم كلما يضطرهم الليل.

لكن عندما مات هيراكليس Hercules في اسبانيا كما يعتقد الأفريقيون (أي نقلا عن روايات السكان المحليين) أن جيشه المكون من أقوام كثيرة سرعان ما تفكك بعد أن فقد قائده، ولاسيما أن كثيرين كانوا يرغبون في خلافته في قيادة الجيش.

كان ضمن هذا العدد الميديون Medi والفرس Persae والأرمينيون Armenii الذين بعد أن عبروا بالسفن إلى أفريقيا سكنوا مناطق بجوار بحرنا، لكن الفرس كانوا أقرب إلى المحيط.

وهؤلاء بعد أن قلبوا أبدان سفنهم استعملوها أكواخاً لأنه لا يوجد خشب في البلاد كما لم يمكن شراؤه من الإسبانيين أو مقايضته بمنتجات أخرى.

وقد اختلط هؤلاء الفرس تدريجياً مع الجايتولي Gaetuli عن طريق الزواج، و لأنهم كانوا يتنقلون من مكان إلى أخر ليجربوا خصوبة الأرض فلقد سموا أنفسهم نوميداي {النوميديين ‏Numidae} .

إقرأ أيضا:مذكرات باحث عن الحياة الجزء الثالث موت الأحباب : بين الذكرى والاغتراب

ومازالت حتى اليوم منازل المزارعين النوميديين التي يسمونها هم أنفسهم ماباليا‏ Mapalia ذات أشكال مستطيلة وذات أسقف منحنية تشبه تقريباً أبدان السفن كما أسلفنا.

أما الميديين والأرمينيين وهم شعوب يجاورون الليبيين ولأن هولاء يسكنون أقرب إلى البحر، بينما يسكن الجايتولى إلى الجنوب و لا يبعدون عن المناطق المحروقة بمسافة كبيرة، و استطاع هؤلاء أن يؤسسوا مدناً : بسرعة، وطالما أن ما يفصلهم عن الإسبانيين هو المضائق فقط فإنهم بدأوا يبادلون معهم المنتجات.

و بمرور الوقت غير الليبيون اسم هذه الشعوب و دعوهم في اللغة البربرية المافري، الماوري، الموريين Mauri بدلا من الميديين Medi.

وبعد تبادل الشعبان القديم والجديد الثقة أزموا الشعوب المجاورة لهم بالخضوع لسلطتهم بقوة السلاح أو بالتهديد وهكذا أحرزوا اسماً و مجداً لاسيما الذين كانوا بجوار بحرنا لأن الليبيين قوم أقل ميلاً للحرب من الجايتوليين، وأخيراً فإن النوميديين قد احتلوا القسم الأكبر من شمال أفريقيا وانصهرت جميع الشعوب التي هزمت في الشعب المستعمر واسمه .

يسيطر النوميديون على بقية الأراضي حتى موريتانيا Mauretania، و يكون المافري (الموريون) Mauri الأقرب إلى إسبانيا.

وبعد ذلك فإن الفينيقيين من أجل أن يخففوا من عبء ازدياد السكان في بلادهم أو بسب ميلهم للسلطة أو حبهم للتغييرات السياسية فقد أسسوا مدينة هيبون Hippo وهادریمیتوم (حضرموت) Hadrumetum وليبكيس (لبتيس) Lipcis ومدن أخرى على شاطيء البحر صارت فيما بعد قوية جدا وتطورت حتى أصبح بعضها حصوناً دفاعية متقدمة أو زينة للمدينة الأم ” .

إنتهى ( مقتطفات من كتاب الحروب اليوغرطية لساللوستيوس راجع النسخة المترجمة هنا).

◀️ التحليل

من خلال قراءة ما تضمنه مؤلف ساللوستيوس المعنون ب{الحروب اليوغرطية} يتبين أن سكان شمال إفريقيا قديما كانوا من عدة روافد عرقية وليسوا شعبا ذو أصل واحد وهذه الشعوب أهمها الليبيون والجيتول والفينيق والفرس والميديين والأرمينيين والفرس وأغلبها وافد من المشرق.

فأما الشعب النوميدي الذي كان مركزه اليوم دولة الجزائر فهو مكون أساسا من الفرس الذين إختلطوا بالجيتول يقول ساللوستيوس: ” اختلط الفرس بهؤلاء ونتج عن ذلك قبيلة كثيرة جداً تسمى النوميديين Numidae ‏”.

أما الميديين والأرمينيين فهم الذين سيستولون على ما يسمى حاليا دولة المغرب، وتغير إسمهم للموريون أو الماوريون أو الموروسي راجع للليبيون الذين سيطلقون عليهم هذه التسمية في لغتهم، يقول ساللوستيوس : “بمرور الوقت غير الليبيون اسم هذه الشعوب ودعوهم في اللغة البربرية (المافري الماوري، الموريين Mauri) بدلا من الميديين Medi‏ “.

أما الفينيقيون فكانو يستولون على معظم السواحل وما يسمى حاليا دولة تونس فأغلب المدن في شمال إفريقيا أنذاك كانت من تأسيسهم كما أكد ساللوستيوس قائلا : “فقد أسسوا مدينة هيبون Hippo وهادریمیتوم (حضرموت) Hadrumetum وليبكيس (لبتيس) Lipcis ومدن أخرى على شاطيء البحر صارت فيما بعد قوية جدا وتطورت حتى أصبح بعضها حصوناً دفاعية متقدمة أو زينة للمدينة الأم “.

إن مؤلف ساللوستيوس وحده يوضح كثير من المغالطات التي أسسها العرب وأشاعها الإستعمار، كخرافة البربر هم السكان الأصليين، فهذا القول هو مجرد غلط وقع فيه العرب لجهلهم بالتاريخ القديم للمنطقة كما أرخه الإغريق والرومان والقرطاجيون، كما أن الأنساب الذي قدمها العرب للبربر كزناتة وصنهاجة ومصمودة وغمارة إلخ، هي مجرد بدع لا أكثر، فلا وجود لأي منها لا في العهد الإغريقي ولا الروماني ولا الوندالي فهي مجرد إبداع عربي تفننوا فيه.

فالعرب أطلقوا على شعوب متعددة كانت تقطن بلاد المغرب لا يجمع بينها لا أصل ولا لغة ولا ثقافة تسمية شعب واحد هو “البربر“، والسبب في ذالك أن العرب لم يعرفوا هذه البلاد إلا بإسم بلاد البربر، وهو الإسم الذي سيظل علما على هذه الأرض بعد غزوها من الوندال (الفاندال)، بحيث ستسمى مملكتهم مملكة البرابرة كما أن الرومان والبيزنط ظلوا يلقبون السكان والأرض بالبرابرة .

خريطة توضح مسار تحرك القبائل الوندالية البربرية راجع هنا

فإذا ما رجعنا لكتاب بروكوبيوس القيسراني (Procope) وهو الذي عاصر إجتياح الفاندال لشمال إفريقيا يصفهم في كل موضع بالبرابرة ويؤكد أن جميع شعوب التي كانت في شمال إفريقيا إختلطت بالبرابرة الوندال وأصبحوا جميعا يسمون وندال برابرة.

دخل الوندال لشمال إفريقيا في مجموعات مقسمة بتقسيم قبائلهم يقول المؤرخ البريطاني بيتر هايدر (Peter Heather) في كتابه《الممالك والبرابرة》 : ” يقول فيكتور أوف فيتا (مؤرخ بيزنطي 430م) عندما عبر الفاندال والألان بينهم إلى شمال إفريقيا، تم حشدهم في سبعين مجموعة تضم كل منها ألف شخص، مما يجعل إجمالي عدد السكان سبعين ألفًا…، جاء الفاندال في الأصل في وحدتين فرعيتين متميزتين : سيلينج وهاسدينج. وجاء كل من سيلينغ (Silings) وهادسينج (Hasdings) وألان (Alans) و Sueves في الأصل مع ملوكهم منفصلين. ” . (راجع المصدر هنا)

ويقول بروكبيوس عن دخول الفاندال لشمال إفريقيا : “فإن عدد الوندال والألان قيل في العصور السابقة على الأقل يبلغ أكثر من خمسين ألف رجل. ومع ذلك، بعد ذلك الوقت، من خلال إنجاب الأطفال وربط البرابرة الآخرين بهم، أصبحوا شعبًا كبيرًا للغاية. تم توحيد أسماء آلان وجميع البرابرة الآخرين، باستثناء المور، باسم الوندال “. (المصدر هنا)

وبالتالي فإن الوندال هم سبب تسمية سكان شمال إفريقيا بالبرابرة كصفة موحدة رغم أن أصولهم ولغتهم وثقافاتهم مختلفة أما قبل ذالك فإن كل شعب كان له إسمه كالنوميد والموروسي والليبيون إلخ كما بينا سالفه.

ملحقات مرئية حول الأصول الجينية للمغاربة

بعدما شرحنا مضمون ما جاء به مؤلف الحروب اليوغرطية حول سكان شمال إفريقيا وبياننا سبب تسمية هذه الشعوب بالبربر، إتضح لنا أن غالب الأمم التي سكنت شمال إفريقيا عهد ساللوستيوس وقبله وبعده هي من أصول مشرقية، بإستثناء الليبيون والجيتول اللذان لم يبين أصلهم والفندال الاغريق والروم الأوروبيين.

والغريب أن العلم الحديث سيؤكد الأقوال التي نقلها لنا ساللوستيوس بحيث سيؤكد أن غالب سكان شمال إفريقيا اليوم هم مشارقة في أصولهم الوراثية البعيدة مع إختلاط أوروبي متوسط وإفريقي قليل وسنسرد خلاصة كبرى هذه الدراسات العلمية الجينية على الشكل التالي :

1 :خلاصة دراسة جينية أقامها معهد ماكس بلانك للعلوم الألماني والصادرة عن مجلة (Science) الأمريكية تحت عنوان “Pleistocene North African genomes link Near Eastern and sub-Saharan African human populations “، سنة 2018 جاء في هذه الدراسة تفصيلا :

راجع رابط الدراسة هنا

2 : خلاصة دراسة جينية أقامها معهد أوكسفورد للعلوم سنة 2022، منشورة بمجلة أوكسفورد العلمية تحت عنوان “Ancient Human DNA and African Population History” جاء فيها :

راجع رابط الدراسة هنا

3 : خلاصة دراسة الدكتورة أرونا Arauna أستاذة علم الجينوم القديم بجامعة توبنغن الألمانية ومن معها الصادرة سنة 2017، وقد أشرف على هذه الدراسة المجلس الأعلى للتحقيقات العلمية الإسباني (CSIC) جاء فيها :

راجع رابط الدراسة هنا

4 : خلاصة دراسة الدكتورة أرونا Arauna أستاذة علم الجينوم القديم بجامعة توبنغن الألمانية ومن معها الصادرة سنة 2015، وقد أشرف على هذه الدراسة المجلس الأعلى للتحقيقات العلمية الإسباني CSIC جاء فيها :

راجع رابط الدراسة هنا
السابق
الدارجة المغربية : الكُمشة
التالي
قبيلة زعير العربية

اترك تعليقاً