مقالات متنوعة

المسلم المعاصر بين التطوير الذاتي و التزكية الروحية الشاملة.

ديباجة المقال :
إن هذا المقال يعتبر بمثابة جزء ثان لمقال المسلم المعاصر بين الإقبال المادي والإدبار الروحي ،الذي نشرته زهاء سنتين مضتا، وإني أتغيى من خلال هذا الجزء تسليط الضوء على مسألة مهمة مرتبطة بجودة الحياة في العالم المعاصر، ألا وهي تطوير الذات ومنحه أبعادا مادية محضة والمغالاة في هذه الأبعاد حد نسيان أو تناسي البعد الروحي، الذي يعتبر الأولى والأجدر بالاهتمام، فإنما نحن في دنيا الله ضيوف وما كان للضيف أن يستقر في مكان ضيافته، وما كان له أن يستحلي البقاء.
ينقسم المقال لمحورين:

تطوير الذات : بين التشتت و التضخيم و التصغير.
التزكية الروحية الشاملة :تخليص للإنسان من كيد الشيطان و رفعه لمقامات المنان.

تطوير الذات : بين التشتت والتضخيم و التصغير.

لا يكاد يمضي يوم حتى تسمع عن كتاب جديد في تطوير الذات أو فكرة طُرحت في مقال للتداول، أو فيديو يحثك على شحذ همتك وتطوير ذاتك فالعالم لا ينتظرك، بل يهرول بسرعة البرق لوجهة لا يعلم نهايتها إلا الله عزوجل، وفي خضم هذا المحتوى الضخم من تطوير الذات تنسى أن تطور ذاتك ويضيع يومك، ساعتك وسنيات عمرك في متابعة هذا الخطيب اليوتيوبي المفوه وذاك الكاتب الملاعب الذي يسلب لبك يا حصيف! ، بكلماته المستقاة بعناية ليظهر مقاله على محركات البحث (SEO) ،فقل لي بربك كيف ستهدأ روحك و تتأمل في سيرورة حياتك وتتنبه لحاجياتك في العلم والمعرفة، وأنت تقارن نفسك بهذا وذاك، وتمني نفسك بأن تتخصص في كل العلوم والفنون!
نحن فعلا ضحايا ثورة التشتت المعرفي، ليت المعرفة ظلت حبيسة المكتبات نبحث عنها أيام وليال ونتعب لنجدها! ولا تكونن بهذه السهولة التي تشتت الذهن، وتجعل المرء حائرا ماذا سأقرأ، وفي ماذا سأتخصص!! لربما حبنا للاطلاع سيضيع علينا فرصة النبوغ في تخصص واحد، فالعمر يا صاح لا يكفي للموسوعية التخصصية(الموسوعية المعرفية والثقافية مطلوبة) ، من فضلك تخلص من طمعك المعرفي، وتخصص على الفور، فها هو العمر يمضي وأنت تكبر يوما بعد يوم، وتتحسر على ما فات من عمرك ولم تحز فيه علما،وتتحسر أنك لم تتابع دراستك لتحصل على تلك الشهادة التي تثبت أنك دكتور! بينما قد تجدك لا تحسن حتى الكلام في حضرة الأنام، ولا تعرف حتى النزر اليسير من دينك، وتلحن في الكلام حينما تتحدث بلغة القرآن ،ولا يتوقف الأمر هنا بل تفتخر بأنك لا تتقن سوى لغات الأمم الأخرى، ولا تحسن حتى تركيب جمل بسيطة بالعربية!!
قد تسمع أحدهم يقول لك، طور ذاتك تعلم لغات، تعلم البرمجة ،التصميم، إدارة الذات، مهارات التواصل، تطبيقات الإنتاجية الشخصية ،القيادة… (وهذه أمور محمودة يجب تعلمها ونحن نعتبر تعلمها من ضروريات الحياة المعاصرة ) وركز على المجالات التي تجعلك تقتحم عالمنا المعاصر، وأنت مزهو بنفسك أنك لا تقل شأنا عن غيرك، ولكن قلة قليلة من تنصحك بتعلم أساسيات دينك، والتقرب من ربك عزوجل، أو تعلم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة،بل هناك فئام من الناس تزهدك في تطوير ذاتك بدعوى الاستقرار المهني والاجتماعي، ويقول لك التطوير الذاتي وتغيير المهنة(shift career) والمشروع الخاص أمور خاصة بالدول الغنية المتطورة، أما بلداننا فالكل يبحث عن الاختباء في شهادة وعمل يحفظ بهما ماء وجهه، حينما يُسأل عن درجته العلمية! وكأنها درجة كهنوتية، وكأن العلم يُطلب فقط بطريقة أكاديمية!!!

إقرأ أيضا:فرض الفرنسية والإنجليزية في المغرب كلغات تدريس للمواد التعليمية هدفه إقصاء المغاربة والحيلولة بينهم وبين طلب العلم والمعرفة

التزكية الروحية الشاملة: تخليص للإنسان من كيد الشيطان و رفعه لمقامات المنان.

كنت جاهلا تماما بالتزكية الروحية كمفهوم وممارسة، حتى تعرفت عليها من خلال برنامج تعليمي على الشابكة، كان برنامجا موجها للمبتدئين في العلوم الشرعية، ويعطي صورة عامة عن علوم الإسلام، فما اكتشفته كان فعلا مدهشا وعلمت حينها كم كنت جاهلا بعلوم ديني!! ومادرسته في المدرسة لا يشكل حتى قشور هذه العلوم بله اللباب!! فمثلا علوم القرآن تضم فروعا شتى: أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ، علم القراءات، التفسير، التدبر، الوجوه والنظائر…. وكذلك الشأن في علوم الحديث، أما التزكية فكانت محورا ضمن محاور البرنامج، فالصالح والمصلح كلاهما يحتاجان للتزكية الروحية، فلا يُعقل أن يكون المصلح فارغا من الداخل كبيت خرب، قلبه لا يشع بحب الله وطاعته،فالفلاح كل الفلاح في تزكية تلك النفس ونقلها من الخبث للحسن، ومن الاهتزاز للإطمئنان ،فعليك يا من آمنت بشريعة الرحمن أن تخلي نفسك من الرذائل وتحليها بالفضائل، فهذان هما محورا التزكية الروحية. فلكي تحقق التزكية تحتاج أن تراقب نفسك وتتعاهدها، نفسك نفسك فكن حريصا على محاسبتها كما يحاسب الشريك شريكه، وحري بك أن لا تفتخر بشهاداتك العلمية و إنجازاتك الأكاديمية إذا كانت نيتك أن تنفع نفسك فقط دون غيرك، وأن تتطور لتقهر الأنام، فعلمك حينها نقمة عليك وليس نعمة، والتزكية ستخلصك من حب الذات وتربيك على حب الخير للغير مما سيدفعك لمشاركة ما تعلم مع الناس، ومد يدك للحيارى ليختاروا الطريق، والعميان ليبصروا السبل، فتنمي وتطور شخصيتك وتسبق الحاسدين، من يخافون من نجاح الغير، يخشون ممن يمكن أن يأخذ مكانهم، لكن كان الأجدر أن يدفعهم الخوف للعمل والتطوير بدل الحقد والتهويل.
من أراد حقا أن يعلم مدى أهمية التزكية الروحية في حياتنا، فلينظر لمحاضر يلبس لباسا أنيقا ويدرس في الجامعة حقوقا وقانونا، لكنه يستهزء بطلابه الذين أغلبهم فقراء ومن طبقات المجتمع السفلى، يستهزء بعدم قدرتهم على السفر خارج المدينة التي يدرسون بها! وهو يقدر، فسبحان من جعلك قادر وغيرك لا، وجعلك عالم بمادة تخصصك وغيرك لا، وكأني به أُعدم التزكية في حياتك فلو عرفها لفهم أن جبر الخواطر والتواضع للخلق أهم درس يمكن أن يقدمه عبر ذلك المكروفون الأجوف الذي يتحدث به بعربية غير فصيحة ويحشو بين الفينة والأخرى كلمات أعجمية في كلامه حتى يظهر عالما جهبذا!!!!

إقرأ أيضا:مذكرات باحث عن الحياة
السابق
كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي (تحقيق فرع جراحه الفم والأسنان)
التالي
أيها الطلبة أنجزوا مشاريع تخرجكم بالعربية

اترك تعليقاً