حركة الترجمة

اللغة العربية كأداة تمكين: تعزيز التعلم والتفكير النقدي في المجتمعات الناطقة بها

الترجمة هي عملية توثيق ونقل المعارف والأفكار من اللغة الأصلية للمعاني  إلى اللغة المستهدفة, بحيث يتمكن الناطقون باللغة المستهدفة من فهم واستيعاب هذه المعارف بشكل صحيح. ولقد شاهد العالم والمسلمون مرحلتين أساسيتين في تاريخ الترجمة، وهما: 

المرحلة الأولى: مرحلة  الترجمة في عصر العباسيين، وكانت فترة حافلة بالنشاط الترجمي من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، هي مرحلة ذات أهمية كبيرة وأثر عميق على تطور العلوم في العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص. 

المرحلة الثانية: تتمثل في عصر النهضة إذ تم ترجمة الأعمال العلمية من لغة العلم آنذاك (اللغة العربية) إلى اللغات الأوروبية المحدثة.

وكلتا المرحلتين ساهما في نقل وتطور العلوم وبالتالي تعزيز التعلم والتفكير النقدي في المجتمعات الناطقة باللغات المستهدفة. 

ويقصد بتعزيز التعلم الرفع من قدرة الاستيعاب المعرفي في المجتمعات, ويمكن اعتبار أحد مؤشراته انتشار القدرة على التعلم بين كل أطياف المجتمع وعدم انحصارها في قلتهم بسبب الإحتكار اللغوي وبالتالي الاحتكار المعرفي. وهذا ما تشهده المجتمعات العربية، فالنَاطق بالإنجليزية يعتبر أوفر الناس حظا لتعلم أساسيات العلوم، وبالتالي جعل المعرفة طريقا ذو عقبتين، أولاهما ضرورة تعلم وضبط لغة جديدة وثانيهما الرغبة والإرادة في التحصيل، وتجاوز إحداهما لا يعني بالضرورة تحقيق المشروع، إلا أن كسر عقبة تغيير اللسان يلازمه في أغلب الأحيان  تجاوز العقبة الثانية، ونقصد هنا بالكسر عدم الحاجة في المستقبل.

إقرأ أيضا:#زلزال_المغرب : نقاط حول الإغاثة

أما النقد الفكري، فهو يشير إلى القدرة على تقييم وتحليل الأفكار والمعتقدات وتمييز الحقائق والتأكد من صحة الخبر المقدم بشكل منطقي. واكتساب ونمو هذه النعمة في المجتمع مقرون بتعزيز التعلم فيه وبالتالي تطوير أفكار جديدة. فلا يمكن إحداث تطور علمي  من الناحية الإنتاجية دون تمكين المجتمع من رصد القصور والتناقضات والتحليل العميق للمعلومة، ولن يحدث التمكين في جو الاحتكار المعرفي والعلمي. وهذا ما يدل عليه زماننا، فالإبداع العلمي الناتج عن أحد ساكنة المجتمعات العربية مقرون بالهجرة اللغوية والهجرة الجغرافية، وأي إنتساب لهذا الإبداع يكون على مستوى الفردي وهو الفخر بمجهود الفرد المبدع أكثر من مجهود المجتمع الحاضن، فالفرد منا لكنه وإنجازاته في غير مجتمعاتنا، وهي محاولة حجب الفشل الجماعي بإنجاز أفراد متناثرة لإشباع شهوة المفاخرة. فلا يمكن إعتبار إنجاز رشيد اليزمي، مثلا، إنجازا مغربيا، بل هو نتاج مجهوده ودعم الدولة الحاضنة. وأصل الابتكار المجهود لا النسب.

وباعتبار الأمور السالف ذكرها لا يمكن تصور الازدهار العلمي في المجتمعات الناطقة باللغة العربية دون اعتماد الترجمة كأداة لكسر عقبة اللغة. والأمر ليس بالهين لكنه ليس مستحيلا في نفوس أهل العلم. إذ يمكن البداية من خلال الفرد والجماعة، إلا أن الوحدة أسرع في التمكين العلمي في مجتمعنا والأشد أثرا. أما القول بأن اللغة العربية ليست لغة العلم ولن ترتقي كوسيلة كونها لغة صعبة الإتقان فهو قول إحدى الفئتين: الأناني الذي أخذ العلم ولا يضره غيابه عن غيره، والجاهل بطبيعة الأمور. وسنخصص هذه الكلمات للفئة الثانية، فلا ضرر في جهل بعد العلم.

إقرأ أيضا:العريضة الرقمية المغربية بعنوان: نعم للعدالة اللغوية في المغرب و لا للفرنسة

اللغة العربية لغة القرآن الكريم وبها تتم عبادات كثيرة منها الصلاة وقراءة كلام الله، فإن كانت حاملة لمعاني الدين، وهو الأعز، كيف تعجز عن حمل معان علمية باعتبارها وسيلة تأمل في ملكوت الله عز وجل، كما أن العلم نطق بها بشكل أساسي بعد مرحلة الترجمة الأولى (خلال العهد العباسي), ولا ينكر فضلها إلا جاحد أو ضعيف النفس. أما عن صعوبتها, فهي معلومة إنتشرت حتى صدقها الناس (عملا بمبدأ اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس), اللغة العربية هي أضبط اللغات من حيث البناء والقواعد، فهي تغني المتعلم من تيه الاستثناء في النطق والتركيب… كما أنها أغناهم من حيث المفردات وبالتالي الدقة وزيادة التعبير العلمي, و كلتا الميزتين أنفع للمجتمع العلمي، لكن جمود القادرين يحرم الناس كنوزها.

السابق
شمس الدين أبو عبد الله بن محمود الخليلي
التالي
المجلة الصحية المغربية العدد 34 (ذو القعدة 1444 – يونيو 2023)

اترك تعليقاً