المخطوطات والكتب القديمة

ديموغرافية المغرب عبر التاريخ

إن ديموغرافية المغرب العربي تعرف جدلا كبيرا على مستوى العامة بين من يرى أن العرب هم الفئة المهيمنة ومن يرى أن البربر هم الأولى، وأقوال الفئتين من حيث الحجج تستند في أولها على النزعة القومية لا غير بحيث لا يوجد دليل موضوعي موثوق يؤكد بصراحة من هو العرق السائد في بلاد المغرب العربي.
وشح المصادر والمراجع التاريخية حول هذا الموضوع دفعنا كباحثين للغوص في التاريخ وإستخلاص ما يفيد من الكتب القديمة المعلوم منها والمنبوذ، حول ديموغرافية المغرب العربي.

أولا : الحقبة اليونانية والرومانية

من حيث المنطق لا يمكن أن يكون هناك إحصاء دقيق للشعوب القاطنة في المغرب العربي خلال هذه الحقبة لصعوبة إنجازه في هذا الوقت، ولهذا فإننا سنكتفي في هذه المرحلة بسرد أسماء الشعوب وأصولها التي كانت تقيم في بلاد شمال إفريقيا لأخد فكرة مبدأية عن المنطقة وسكانها ثم التفصيل في الأعراق المهيمنة فيها لاحقا.

بالرجوع لكتب التاريخ لمؤرخي الإغريق والروم نجد توافقا وإجماعا حول تعدد الشعوب في شمال إفريقيا بحيث أن هذه المنطقة لم تخص عرقا واحدا أو شعبا واحدا. يقول هيروديت أبو التاريخ حوالي 400 ق. م في هذا السياق : “ ساكنة شمال افريقيا تنقسم لأربعة شعوب : ليبيون وفينيقيين وإيثيوبيون وإغريق “. وبالتالي فهو يقسم شعوب شمال إفريقيا المهيمنة في حقبته لأربع. (راجع هنا)

إقرأ أيضا:قراءة وتحميل كتاب التاريخ الاجتماعي لدرعة لمؤلفه أحمد البوزيدي

بعد هيروديت أتى مؤرخ أخر أعطى وصفا أكثر دقة لسكان شمال إفريقيا وهو ساللوستيوس حوالي 86 ق.م فقال في كتابه (الحروب اليوغريطة) أن الشعوب التي كانت تستوطن شمال إفريقيا هي كثيرة أهمها : “الفينيقيون والليبيون والجيتول والفرس والإغريق“. (هنا)
وكلامه يتوافق مع هيروديت إلى أنه أكثر دقة كونه كان حاكما في إفريقية الجديدة وأكثر دراية من هيروديت.

وإلى جانب سالوستس هناك مرجع أخر تكلم عن شعوب شمال إفريقيا ويتعلق الأمر بكتاب سترابو الجغرافي والمؤرخ الكبير حوالي 64 ق. م يذكر فيه أن شعوب شمال إفريقيا عديدة أهمها “ الفينيق والموروسي والجرمنتين والجيتول والليبيون “.هنا

وقد جاء في مؤلف علمي وازن، صادر عن جامعة أوكسفورد البريطانية، لعالم الآثار الإسباني {Sebastian Celestino}، بشراكة مع العالمة الآثارية بجامعة شيكاغو الأمريكية {Carolina Lopez-Ruiz}، عن ساكنة شمال إفريقيا في العصر القديم : “ كانت أراضي شمال إفريقيا وضفاف جنوب ايبيريا عبارة عن أراضي مستباحة دون وجود قيادة مركزية لشعب حضاري حقيقي مسيطر بل عبارة عن تجمعات لشعوب بدائية من شتى ضفاف المتوسط حيث عاشت أيضا لفترات متأخرة من العصور الحجرية وبقيت على هذا الحال حتى وصول الفينيقيين وتأسيس أول أربع مدن حضارية في ايبيريا وشمال إفريقيا وهي :

إقرأ أيضا:قبيلة زعير العربية

▪︎Cadiz قادس

▪︎ lixus ليكسوس أو العرائش حاليا

▪︎Utica عتيقة

▪︎ Gadir أغادير، ثم تلتها العديد من المدن في أوقات لاحقة متأخرة كمالقا وقرطاج وغيرها حيث سجل الفنيقيين بتأسيس هذه المدن العريقة الأربعة أقدم وجود حضاري لشعب حقيقي بمدن ومساكن أهلة ترجع لبداية الألفية الثانية قبل الميلاد. (راجع هنا، ص140)

وعليه يمكن القول من خلال ما ذهب له المؤرخين القدامى أن شمال إفريقيا كانت تهيمن عليها خمس شعوب أساسية أولها الليبيين ثم الفينيق ثم الفرس ثم الموروسي ثم الجرمنتين (الوندال) ، فما هي أصول هذه الشعوب على حدة.

١ _ الليبيون
لم يقدم المؤرخون القدامى وصفا دقيقا لأصول الليبيين وعددهم غير إنهم إتفقوا على إنقسامهم لعدة شعوب مختلفة، يقول هيروديت الليبيون متشعبون إلى عدة قبائل .
أما سالوستس فيقول أنهم “من أول من سكن شمال إفريقيا إلى جانب الجيتول ويتصفون بالغلظة والوحشية والهمجية “. هنا
وبالتالي فإن أصول الليبيون ظلت مجهولة غير معلومة بحيث إكتفى المؤرخون بوصفهم وذكر صفاتهم دون التوسع في أصلهم، غير إن ما يتفق عليه حولهم أن ربطهم بالبربر أو الأمازيغ لا يجد سندا علميا وتاريخيا، إذ لا علاقة بين الليبيين والبربر لا من ناحية اللغة أو الثقافة أو الأسماء وفي هذا يتواتر العلماء فنجد الدكتورة إليزابيث إيسيتشي من جامعة كامبردج تقول في كتابها المعنون ب “ تاريخ المجتمعات الأفريقية حتى عام 1870 “ : لقد أصبح الليبيون في التاريخ القديم من البربر في الآونة الأخيرة، حيث يفترض أن اللغات البربرية الحديثة هي من سلالة الليبيين القدماء. لكن في الحقيقة لايعرف ما إذا كان الليبي القديم مثل البربري الحديث . (راجع هنا)

إقرأ أيضا:قبائل بني معقل في مراكش واحوازها

أما د. جيليان كلارك من جامعة أوكسفورد فيقول في كتابه المعنون، “مونيكا: قديس عادي“: من الصعب إثبات وجود صلة بين اللغة الليبية القديمة والبربرية الحديثة . (راجع هنا)

ونستعين كذالك بما قاله عالم الأحياء المجهرية وعلم الجينات والمتخصص في تاريخ اليهود الدكتور جيت ڤان ستراتين (Jits van Straten) : أن مجموعة البربر التي تتكلم اللغة الأمازيغية فقط تتكون في أساسها من عرب ويهود جاؤو في الأصل من شبه الجزيرة العربية ولا علاقة لهم بالليبيون القدامى. (راجع هنا)

٢_ الفينيقيون

الفينيقيون أو القرطاجيون أو البونيق هي تسميات مختلفة لشعب واحد من الجزيرة العربية نزح لبلاد شمال إفريقيا وإستوطن مناطق شاسعة كما كان له الفضل الأكبر في جلب الحضارة والتمدن لهذه المنطقة بعدما كانت بربرية غير متحضرة في جلها يقول المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان (Charles-André Julien) في هذا وقد كان تأثير المدنية البونيقية بطبيعة الحال في بلاد البربر الشرقية. فقد بهرت الأمراء النوميديين الذين أقام العدد الكبير منهم في قرطاج. وتزوجوا بنات طبقتها النبيلة وسموا أبناءهم بأسماء قرطاجية، ومنحوا مدنهم دساتير منسوخة عن دساتير المستعمرات الساحلية، وعبدوا الآلهة السامية وحرضوا رعاياهم على العمل بأساليب مغون الفلاحية ….. وبديهي أن تأثير قرطاج لم يزل بزوالها “.

ويقول المؤرخ الإيطالي إتوري روسي كما ظل تأثير الحضارة القرطاجنية ماثلاً في الأسماء وألقاب الوظائف والمعتقدات الدينية، ويشهد القديس أغسطينو، في القرنين الرابع والخامس، على انتشار اللغة البونيقية في مناطق تونس والجزائر الحالية. ونحن نعرف أيضاً، أنه في القرن الثاني بعد الميلاد، كان الناس في لبدة وطن سبتيموس سيفيروس يتحدثون اللغة البونيقية، وذلك يدل على أن الحضارة البونيقية واللغة البونيقية قد تغلغلتا في المستعمرات القرطاجنية بإفريقيا الشمالية وانتشرت أيضاً في الأرياف المجاورة، حتى ليؤكد بروكوبيوس من القرن السادس بعد الميلاد، أنَّ الأهالي (الماوري) كانوا يتحدثون البونيقية “. (راجع هنا)

ورغم تحضر عدة مناطق في شمال إفريقيا وتمدنها بفضل الفينيق إلى أن الشعوب البربرية إستمرت بحياتها الرعوية البدوية، يقول في هذا الجغرافي الفرنسي لويس ڤيڤان (Pr. Louis Vivien de Saint-Martin ) : إحتفظ البربر دائمًا باستقلالهم الوحشي عن الحضارة، حتى في زمن سلطة قرطاج وروما، ولم يتجاوزوا عادات الحياة الرعوية البدوية ”. هنا

وعن أصول الفينيقيون فهي معلومة بالتواتر بين المؤرخين الاغريق والروم أنها من الجزيرة العربية خاصة بلاد دلمون (البحرين حاليا) كما أكد هيروديت وبطليموس وسترابون إلخ.

٣- الفرس

كان الفرس من أحد الشعوب الكبيرة التي نزحت وإستوطنت شمال إفريقيا إلى جانب الفينيق والاغريق وكان النوميدين والليبيون والجيتول يتكونون من الفرس بعد إختلاطهم بهم وتزاوجهم مع نسائهم وفي هذا يقول ساللوستيوس الذي عايشهم ؛ إن هرقل اختفى في أيبيريا فتشتتت قواته في شمال إفريقيا، وكان منهم الفرس الذين امتزجوا بالليبيين والغتولي، وكان الفاروسي فرسان يمتطون الخيل ويستخدمون العربات الحربية .

ويذكر في موضع أخر عن شعب النوميد الذي ظهر في ذالك الوقت تحت مسمى نوميديون وبلاد نوميديا :
لقد اختلط هؤلاء [ الفرس] تدريجياً مع الجايتول Gaetuli عن طريق الزواج، ولأنهم كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر ليجربوا خصوبة الأرض فلقد سموا أنفسهم نوميداى النوميديين/ ‏Numidae.

وبالتالي فشعب نوميديا كانت نواته الفرس الذين تزاوجوا مع الجيتول.

٤_ الماوري أو الماوروسي

شعب الماوري (Mauri) أو الموروسي (Maurusii)، كما ذكر المؤرخون الإغريق والرومان هو شعب أسيوي كان ذو قوة وصلابة، إستطاع بها إحتلال أكبر جزء من موريطنة الطنجية (المغرب حاليا)، وإستوطنها لعدة عقود، كما إتخدت المنطقة إسمهم وهي مملكة موريطنة، وما يجمع عليه المؤرخون القدامى حول هذا الشعب أنه من أسيا وفد مع هرقل كما هو الشأن للفرس وفي هذا يقول هيروديت : “ إن اتحاد الغزاة الآريين مع السكان القدامى للساحل الذي نشأ من فوت أدى إلى ولادة الموري، أو ماوروسي“.

ويقول المؤرخ اليوناني سترابون (64 ق. م) الذي عاين بلاد المور ولغتهم وطبائعهم أثناء هجرته الشهيرة لإفريقية عن أصلهم : موري أو موروسي أناس كثيرون وأثرياء وهم هنود جاءوا مع هرقل.

وما أكده هيروديت وسترابون حول الأصل الأسيوي للماوري، نفسه سيقول به المؤرخون الرومان بعدهم فنجد المؤرخ الروماني، ساللوستيوس (86 م) يقول في كتابه الحروب اليوغرطية، عن أصل المور في معرض حديثه عن الميديين والأرمينيين في شمال إفريقية : وبمرور الوقت غير الليبيون اسم هذه الشعوب و دعوهم في اللغة البربرية أي الأجنبية ، (المافري، الماوري، الموريين Mauri) ، بدلا من الميديين«Medi» .
والميديين هم أحد الأقوام التي استوطنت مناطق جبال زاكروس قرب بلاد الشام قديما ويرجع أصلهم إلى الشعوب الأسيوية القديمة، وهو ما يتطابق مع ماقاله المؤرخون قبله.

وقد أعطى ميكيافيلي تدقيقا أكثر حول أصل هؤلاء الموروسي على أنهم من بلاد سوريا أي الشام العربية فيقول :
طردت الحرب الشعوب من ديارها وأجبرت على البحث عن أراض جديدة. أريد أن أذكر مثال الموروسي، الشعوب القديمة في سوريا الذين سمعوا الشعب اليهودي قادمًا، وحكموا على أنهم لا يستطيعون مقاومتهم، اعتقدوا أنه سيكون من الأفضل إنقاذ أنفسهم ومغادرة بلدهم بدلا من الحرب ؛ فاستيقظوا مع عائلاتهم، وذهبوا إلى إفريقيا، حيث استقروا، وطردوا أي سكان وجدوا في تلك الأماكن. ويضيف مكياڤيلي قائلا ؛ يقول بروكوبيوس، الذي كتب حرب بيليساريوس ضد الفاندال الذين احتلوا إفريقيا، أنه قرأ النقش التالي المنقوش على أعمدة أقيمت في هذه الأماكن (طنجة، الشام) : {Nos Maurusii, qui fugimus a facie Jesu la- tronis filii Nave}، الذي يشير بوضوح إلى سبب فرارهم من سوريا..(راجع هنا)

وما قاله مكيافيلي وغيره من المؤرخين القدامى يعرف إجماعا وتواترا وهو ما أكده كذالك المؤرخ الإسكتلندي والتر غراهام بلاكي (قرن 19م)، فيقول في مجلده المخطوط : موري أو موروسي وماسيلي ومازييس وجاتولي…، من المفترض أن هؤلاء الناس، كما قال الكتاب الرومان، جاءوا من آسيا، وخاصة من بلاد فارس قديما (كانت تظم أجزاء من الجزيرة العربية حاليا) . هنا

أما المجلة التاريخية الإنجليزية «La colmena»، المنشورة سنة 1845م فقد ورد فيها خلاصة لما قاله المؤرخون القدامى عن الموروسي : “ يبدوا أن العرب الكنعانيين، الذين طردهم اليهود تحت قيادة يشوع، ذهبوا للاستقرار في أفريقيا، مما أدى إلى ظهور أمة المورو أو موروس هناك.“. {راجع هنا}

ونشير إلى أن شعب المورسي سيتعرض لإبادة تدريجية بسبب الحروب والمجاعات إلخ، وهو ما أكده المؤرخ والجغرافي بليني الأكبر (Pliny the Elder) الذي عاش سنة (20م)، في مجلده للتاريخ الطبيعي بحيث يذكر حول شعب المور في سياق كلامه عن مملكة موريطنة الطنجية :
يبلغ طول مقاطعة تنجيتانا 170 ميلاً . من بين الأمم في هذه المقاطعة، كانت الرئيسية هي قبيلة الموري، وقد أطلق عليها العديد من الكتاب الموروسي. لقد أضعفت كوارث الحرب هذه الأمة إلى حد كبير ، وتضاءلت الآن في عدد قليل من العائلات فقط. (راجع هنا)

أما عن شكل هؤلاء الموروسي وكيف كانوا يخبرنا الروماني سيليوس إيتاليكوس (20م) : “المور، مثل السود، وهم شعب ذو بشرة سوداء وسمراء، يسكنون منطقة موريتانيا بإفريقيا، ويطلق عليهم أيضًا اسم «الموروفيج» “. وهذا طبيعي كونهم إختلطو بالجيتول الأفارقة السود، فأصبحوا أكثر شبها بهم من الكنعانيين العرب. (راجع هنا)

● وعن أصل تسميتهم نذكر بإيجاز ؛

كلمة مور هي كلمة سامية قديمة، وحسب الباحثين فإن هذه الكلمة تستمد أصلها من الصيغة (أمورو Amurru) وهي الصيغة الأكدية المسمارية، واذا ما تتبعناها عموماً في النصوص الشرقية القديمة فنجدها في الأكدية تطلق على الشعب الواقع غرب العراق، فتعني بذالك سكان الغرب أو مغاربة وهم الأموريين، وفي البابلية الاشورية تطلق اسماً للمنطقة الفينيقية ولجنوب سوريا الحالي وفي التوراة اسما للابن الرابع لكنعان بن حام بن نوح ولشعب غير اسرائيلي.

أما في النقوش المصرية فكانت تسمى (البقاع) بلبنان حالياً أمورو (أمورو Amurru‏) وكان البابليون القدامى يسمون البحر المتوسط بحر (أمور العظيم) كما وردت هذه اللفظة في رسائل تل العمارنة المكتشفة في مصر بصيغة (مات أموري) وهذه الرسائل عبارة عن لوحات مسمارية يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

ويرى بعض الباحثين أن التسمية أموري هي سومرية الأصل جاءت من كلمة ( مارتو) أو من (مار) – تو Mar-tu) ومعناها الغرب، والاموريون سموا بهذا الاسم لوقوعهم في الغرب منهم، ولعل الجنرال (دوماس) استمد رأيه السابق من هذه التسمية ومن مدلولها والمعروف ان الاسم (مارتو) كان يسمى به الاله الخاص بالأموريين.

ومهما يكن من أمر فان سكان بلاد الرافدين أطلقوا (أمورو) أو (مارتو) على القبائل الأمورية وعلى الغرب، ويذكر أحمد سوسه 《 بناء على معلومات اثرية》 ـ أن هذه القبائل كانت منتشرة في المنطقة الممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات منذ الألف الخامسة أو الرابعة قبل الميلاد. (راجع باقي المعلومات عن التسمية هنا من الصفحة 356)

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الكلمة لازالت مستعملة بكثرة في بلدان العرب ففي الشام نجد جبل موريا بفلسطين، وفي اليمن وادي مور وغير ذالك كثير.

٥_ الوندال

الڤندال أو الوندال من الشعوب الجرمانية التي ستغزو شمال إفريقيا وتستوطنها وقد كان لإبادة الماوري دور كبير في توسع الوندال، فالأقلية التي بقت من هذا الشعب سيتم إِسْتئْصَالها إلى جانب باقي القبائل في موريتانيا الطنجية والقيصرية، على يد الواندال (Vandals)، في غزوهم الوحشي في عهد الإمبراطور الروماني هونوريوس (Honorius)، حوالي 424 م، فقد قام الوندال بإبادة جماعية لسكان المنطقة القدامى وإرتكبوا المجازر في حقهم بل حتى المباني لم تسلم منهم فخربوا المدن وهدموها، وأصبحت البلاد خرابا، ولم يعد يستوطن بلاد موريتانيا ونوميديا إلى هم، جاء في موسوعة بيني الأمريكية لنشر المعرفة المجلد الثالث (The Penny Cyclopaedia… Volume 3)، الصفحة 429 :
في ظل حكم هونوريوس الضعيف والمبذر، انتقل الفاندال الذين استقروا في جنوب إسبانيا إلى إفريقيا، 428 م دعا ملكهم جينسيريك…، إحتل الفاندال الجزء الأكبر من شمال إفريقيا حيث ارتكبوا أفظع الأعمال الوحشية، وقاموا إلى حد كبير بتطهير البلاد من سكانها السابقين. (راجع هنا)

وفي نفس السياق جاء في الموسوعة الإنجليزية المجلد الاول، (The English Cyclopaedia, Part 1, Volume 1) ص879 : في عهد هونوريوس الفندال الذين إستقروا في جنوب إسبانيا، غزوا شمال إفريقيا سنة 428م بدعوة ملكهم جينسيريك، بدعم من الكونت بونيفاس الروماني، فقاموا بأفضع الأعمال الوحشية، وطهروا البلاد من سكانها السابقيين. وقد قدر المؤرخون عدد الڤندال الذي نزحوا لشمال إفريقيا في ما يفوق 800 ألف بأسرهم وعائلاتهم. (راجع هنا)

ثانيا : ما بعد الفتح العربي

لم يقدم المؤرخون العرب أو المسلمين إحصاء دقيقا لسكان بلاد المغرب في فترات توسع الإسلام، غير أنهم كانوا يعتبرون بلاد المغرب أرضا عربية يستوطنها العرب كما قال بهذا شمس الدين المقدسي ( 945-991م)، الجغرافي الكبير في كتابه « أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم» :والأقاليم العربية هي جزيرة العرب، ثم العراق، ثم أقور، ثم الشام، ثم مصر، ثم المغرب.

ولم يتم تناول ديموغرافية المغرب بالأرقام والإحصاء إلى في بداية القرن الثامن عشر (18) والتاسع عشر (19) ميلادي من قبل مستشرقين أوروبيين أولهم حسب ما هو متوفر من المراجع حاليا كتاب “Modern Geography “، للمؤرخ والجغرافي والرحالة وعالم الأثار الإستكلندي جون بينكرتون (John Pinkerton) حوالي سنة 1790م، ويقول فيه عن ديموغرافية المغرب تفصيلا :

يقدر عدد سكان المملكة المغربية بستة ملايين…، وتقدر عائدات الملك بمليون من النقود. ويتكون الجيش في زمن السلم من حوالي 24000 رجل، منهم 6000 يشكلون الحرس الملكي.
سكان المغرب هم عرب، مور، زنوج، مسيحيون، مرتدون، يهود، وبربر. (راجع هنا)
يختلف المور، رغم أنهم من أصول عربية، في كثير من النواحي عن أسلافهم العرب، لكنهم يعيشون حياة ضالة.
وينتمي المور، وكذلك العرب، إلى طائفة المحمديين المعروفة باسم مالك (المذهب المالكي).

واليهود هنا كثيرون جدًا، كما هو الحال في جميع الولايات البربرية الأخرى، وسكان هذه البلدان، الذين يستحقون اهتمامنا أكثر، هم البربر ؛… وهم دائما على استعداد للفرار إلى الصحاري الداخلية، إلى المدى الواسع الذي يقسمون فيه الارض مع المور ؛ وينزحون كذالك إلى خلوات الجبال التي يتعذر الوصول إليها…، ويخبرنا ڤونتور (Venture) أن لغة Breber ليست سوى لغة الناس المتوحشين ؛ خالية تمامًا من المصطلحات المجردة والجسيمات المرتبطة؛ بحيث أن كل الكلمات المتعلقة بالفنون والرقي مستعارة من اللغة العربية، وليس لديهم أحرف أخرى للكتابة إلا العربية التي يضيفون إليها ثلاثة أحرف فارسية .

وبالتالي فإن المؤرخ أعلاه يقسم لنا شعب المغرب إلى عدة أعراق المهيمن فيها العرب والمور وهم من أصل واحد وهو شبه الجزيرة العربية ثم اليهود والبربر الذين يتقاسمون مناطق فيما بينهم غالبا.

إلى جانب بينكرتون نجد مؤرخا أخر أعطى تفصيلا دقيقا لديموغرافية المغرب ويتعلق الأمر هنا بالممثل الدبلوماسي لبريطانيا في المغرب جيمس جراي جاكسون ( JAMES GREY JACKSON)، وهو من أهل القرن الثامن عشر ميلادي، أقام في المغرب مدة ستة عشر (16) سنة، جاب فيها كل منطقة من بلاد المغرب ونزل ضيفا على قياد البلاد وعلى السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله.
جيمس أعطى تفصيلا أكثر دقة وما زاد موضوعيته أنه كان متقن للغة المغاربة الداريجة العربية فكان يسمع الأقوال من المشايخ والعلماء ويطلع على الوثائق المحفوظة والمخزنية.

يقول جيمس جراي حول ديموغرافية المغرب : أن العرب يشكلون 10 ملايين بينما البربر 3 ملايين وعن توزع العرب في المملكة المغربية يذكر :
أولا القسم الشمالي للمغرب : يظم التقسيم الشمالي ولايات الريف والغرب وبني حسين (بني حسن حاليا) وتامسنا والشاوية وتادلا ودائرة فاس، وهي مناطق يسكنها العرب على اختلاف أنواعهم.

ثانيا منطقة فاس مكناس سلا : يقول عنها والبلد بين فاس ومكناس، ومن ثم إلى سلا، له نفس الوصف مع ما تقدم ؛ بلد غني…، ويستوطنه العرب بشكل تام، ماعدا قبيلة زموره الشلوح .

ثالثا: منطقة دكالة : وعنها يذكر على بعد أربعة وأربعين ميلاً إلى الجنوب من دار البيضاء، تقع بلدة أزامور، في إقليم دكالة العربي.

رابعا : جهة السوس : يقول عنها تحتوي منطقة سوس على العديد من القبائل المحاربة من أهمها هوارة و أولاد أبي السباع وآيت باعمران وهؤولاء هم العرب.

خامسا منطقة درعة تافيلالت : يقول عنها منطقة يسكنها العرب…، ويتألف الجزء الأكبر من طعام السكان، وهم العرب، (كما لوحظ بالفعل) من التمور.

سادسا : جهة الجنوب : يصرح في وصفها من سانتا كروز (أكادير)، إلى بوجدور على طول الساحل… يسكنه جميعا قبائل متنوعة من العرب .

ونحن نسرد ديموغرافية المغرب في أولها لا يمكن لنا أن نغفل عن الجغرافي والمؤرخ والرحالة والجراح والجيولوجي ويليام فرانسيس أينسوورث (William Francis Ainsworth)، الذي جرد ديموغرافية المغرب مستعينا بكل المصادر للرحالة الأوروبين والجغرافين والمفقودة جلها اليوم ولولاه لما علمنا بوجودها. (راجع هنا)

ويقول ويليام أينسوورث في كتابه (All Round The World)، المنشور سنة 1875م، حول ديموغرافية المغرب تدقيقا :
يمكن تقسيم سكان المغرب إلى خمس طبقات – العرب والمور والبربر واليهود والزنوج.
ويقدر عدد السكان بحوالي 8 مليون نسمة، 4 مليون هم عرب ومور، و 2 مليون هم بربر و 500 ألف هي من اليهود والباقي من الزنوج .

ويضيف حول المور وهويتهم قائلا :

المور هم أحفاد أولئك الذين طردوا من إسبانيا عندما ثم غزو غرناطة من قبل فرديناند وإيزابيلا…، والمور مثل العرب، ينتمون إلى المشرق العربي في الأصل.

وأقوال المؤرخين سالفه حول ديموغرافية المغرب نفسها أكدها الفقيه والعلامة المغربي الكانوني العبدي من أهل القرن التاسع عشر في خلاصته حول شعب المغرب ومكوناته فيقول :
خلاصة ما بسطناه أن الأمة المغربية جلها عرب ما بين عدنانية وقحطانية…، ويضيف : بعد الاسلام فقد أمته (المغرب) موجات عديدة من العرب وقد قدرت موجة الهلاليين وحلفائهم بما يربو على مليون نسمة فكيف بغيرها، فغمرت قبائل العرب السامية بكثرتها قبائل البربر الحامية بحيث صارت الثانية اقلية ضئيلة وامتزجت الجنسيتان امتزاجا غريبا من قديم الازمان.

__________________________________________________________

للمصادر راجع مقالة شعب المور (هنا)، ومقالة السكان الأصليين لبلاد المغرب(هنا)، ومقالة إستعراب بلاد المغرب(هنا).

السابق
المجلة الصحية المغربية العدد 34 (ذو القعدة 1444 – يونيو 2023)
التالي
الدارجة المغربية : القلقولة

اترك تعليقاً