مقالات متنوعة

استعراب بلاد المغربِ

استعراب بلاد المغرب هو مصطلح ثقافي لغوي يُشيرُ إلى التأثير الديموغرافي والديني والثقافي واللغوي الذي عرفته شمال إفريقيا نتيجة الفتح الإسلامي العربي، وقد سماه المؤرخون واللغويون بالتعريب أو الاستعراب؛ لكونه أدى إلى تغييرٍ ثقافي هوياتي واسع النطاق، نتج عنه ظهور مفهوم المغرب العربي الحالي.

وقد ساهم في عملية الاستعراب عدة عوامل، أبرزها توافد القبائل العربية بهجرات كثيفة عبر مراحل متفرقة تاريخيا واستقرارهم في شمال إفريقيا.

أولا : المراحل الأولى للإسلام

إن التوافد والنزوح العربي لبلاد المغرب بدأ منذ الفتح الإسلامي مع عقبة بن نافع، بحيث تميزت الحملات العربية أنذاك بمرافقة النساء والأطفال والعلماء والتجار في الخطوط الخلفية للجيش، فقد كانت نية العرب، تأسيس مدينة في البلاد التي يفتحونها لإيواء الجند العرب وعائلاتهم ولتكون كقاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش للمحافظة على المناطق التي ثم فتحها، فأسس عقبة القيروان في تونس، يقول في هذا الدكتور مصطفى أبو ضيف أحمد:

.

” لما ولى معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع الفهري ولاية إفريقية فقد رسم لنفسه برنامجا للعمل يرمي إلى تحقيق أهداف أبعد من أهداف سابقيه وتتلخص خطته في تثبيت أقدام العرب في المغرب وتأسيس قاعدة عسكرية بافريقية من أجل تحقيق نشر الاسلام بها وتعريب البلاد “.

إقرأ أيضا:الأدارسة الأشراف وبداية الدولة المغربية

وتم تخطيط القيروان حسب الطريقة التقليدية لبناء المدن العربية، منذ بناء الكوفة والبصرة والفسطاط، بدًاية ببناء المسجد الجامع ودار الإمارة ثُمِّ قسمت الأرض المحيطة بهما على القبائل العربية والناس لبناء الدور والمساكن، اذ كانوا يفردون كل قبيلة أو بطن من بطون الفاتحين بناحية معينة من التقسيم لإنشاء دور مساكنهم. فنزل قوم من قبيلة فهر العربية بالجهة الشمالية من الجامع وبنوا بها المساكن واتخذوا حولها بعض الأجنة. وفهر بطن من قريش قوم عقبة بن نافع ورهطة، وعرف هذا الحي بمنازل الفهريين.

وقد تحدث ابن الرقيق القيرواني (1029م)، عن استقرار العرب في بلاد المغرب مع مطلع الفتوحات العربية حيث جاء في كتاب تاريخ إفريقية والمغرب ص 20 :

.

“فالعنصر العربي دخل بلاد المغرب في صورة جيوش فاتحة، وقد استقر رجال هذه الجيوش في نواحي المغرب كله بعد إتمام الفتح، ولحقت بهم جماعات أخرى من الجند والمهاجرين العرب مع استمرار حركة الفتح، وكانت نتيجة ذلك قيام مجتمعات عربية صغيرة معظمهم في المدن والمعسكرات، ومن هذه المراكز بدأوا ينتشرون في نواحى البلاد”.

الرقيق القيرواني ، تاريخ إفريقية والمغرب. دار الفرجاني. ص. 20.

وإعتبر شمس الدين المقدسي ( 945-991م)، الجغرافي الكبير في كتابه « احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم»، المغرب ضمن بلاد العرب فيقول :

إقرأ أيضا:القراءة التخصصية لنفع الأمة الإسلامية

.

“والأقاليم العربية جزيرة العرب، ثم العراق، ثم أقور، ثم الشام، ثم مصر، ثم المغرب”

احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، ص10.

ويورد الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، حول استقرار العرب الفاتحين :

.

“أسس (عقبة) مدينة القيروان على بعد نحو 120 ميلًا من قرطاج وأمر القواد العسكريين والمدنيين الذين أقاموا معه… وعندما أمن العرب أصبحوا مواطنين بهذه البلاد ممتزجين بالأفارقة “.

الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقية ص40-41

كما إستمر تدفق العربي إلى بلاد المغرب للإقامة فيه، واتخاده وطنًا ومستقرًا، فترة الدولة الأموية، في حقبة موسى بن نصير لا سيما بعد بسط السيطرة على شمال إفريقيا وفتح الأندلس، فكان المغرب منطلق القوافل الراغبة في العبور للأندلس.

وقد فصلت المصادر التاريخية في الهجرات العربية التي تمت للأندلس، فنجد المقري التلمساني يذكر في كتابه نفح الطيب ج1، ص290 :

.

“واعلم أنه لما استقر قدم أهل الإسلام بالأندلس وتتام فتحها صرف أهل الشام وغيرهم من العرب هممهم إلى الحلول بها، فنزل بها من العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم إلى أن كان من أمرهم ما كان”.

إقرأ أيضا:الهجوم على لغة القران وسياسة الانعزال والتقسيم أحمد بن محمد المقري التلمساني . نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ج1، ص: 290-291-292.

وتشير الأرقام إلى أن عدد الجنود الذين دخلوا المغرب في العصر الأموي نحو 70 ألف جندي، 40 ألفا منهم دخلت مع حسان بن النعمان الغساني إلى أفريقية سنة(74هـ / 694م)، و30 ألفًا دخلت مع كلثوم بن عياض(124هـ /740م) .لكن بالرغم من هذا ظل الحضور العربي في هاته الحقبة في بلاد المغرب قليلا، لاسيما أن أغلب العرب كانوا يعبرون للأندلس للاستقرار فيها، ولم تتغير الأوضاع إلى بعد قدوم الفاطميون والأدارسة بالمغرب أخدا بعين الإعتبار الإبادة الأموية للبربر في معركة القرن والأصنام حيث قتل أكثر من 300 ألف بربري.

الدولة الإدريسية :


لقد عمل الأدارسة بعد توليهم الحكم في المغرب على إستقطاب وجلب العرب، حيث أكمل إدريس الثاني بناء مدينة فاس، لتكون أول مدينة عربية إسلامية في المنطقة و لتنافس مدينة القيروان، وهذا ما كان فقد أصبحت فاس منارة العلم في المغرب الإسلامي ، ويذكر الدكتور أبو ضيف في كتابه ” أثر القبائل العربية.. ” ، ص304 :

.


” واذا كانت فترة حكم إدريس الأول تميزت بالعمل على نشر الاسلام بين القبائل البربرية، فإن أهم ما ميز فترة حكم إدريس الثاني الأصغر هو إقامته مدينة فاس التي تحولت الى منطقة ضغط منخفض تجذب إليها تيارات متعددة من القبائل العربية سواء أتت من الأندلس أو من القيروان وافريقية “.

الدكتور مصطفى أبو ضيف أحمد، “أثر القبائل العربية في الحياة المغربية منذ الفتح العربي إلى سقوط الدول المستقلة”. دار النشر المغربية. ص. 305-306-307-308-309-310-311


فالامام الادريسي العربي كان غريبا وحيدا في محيطه الجديد، بالرغم من وجود بعض العناصر العربية القليلة التي كانت تحيط به، مثل راشد الكناني، وأبو خالد يزيد بن إلياس العبدي. وبعض أهله مثل أخيه سليمان الذي استقل أبناؤه بالمغرب الأوسط وابن عمه داود بن القاسم ابن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. إلا أن هؤلاء كانوا قلة قليلة لم تستطع أن تغير من طبيعة الاحساس بالغربة.
لذلك يروي صاحب روض القرطاس (أبي زرع) ” أن ادريس الثاني أقام بقية سنة 188هـ التي ولى فيها يعطي الأموال ويصل الوفود ويستميل الرؤساء والأشياخ فانهالت عليه في العام التالي 189هـ، وفود العرب من بلاد افريقية وبلاد الأندلس في نحو الخمسمائة فارس من القيسية والأزد ومدلج وبني يحصب والصدف وغيرهم من القبائل اليمنية الجنوبية. فسر ادريس بوفادتهم وأجزل صلاتهم وقربهم ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون البربر فاعتز بهم لأنه كان فريدا بين البربر “.

وبدأ ادريس الثاني بتشكيل حكومته من زعماء القبائل العربية الوافدة فاستوزر عمير بن مصعب الأزدي، وكان من فرسان العرب وسادتها، ولأبيه مصعب مآثر بافريقية والأندلس. وينسبه صاحب مشاهير أعيان فاس بقوله، « وهو عمير بن مصعب بن خالد بن هرثمة بن الأمير يزيد بن الأمير المهلب بن أبي صفرة».
كما عين عامر بن محمد بن سعيد القيسي من عرب قيس عيلان، قاضيا.
أما خطة الكتابة فقد أسندها إلى أبي الحسن عبد الله الخزرجي الأنصاري وهو الذي تولى كتابة العقد الخاص بشراء أرض مدينة فاس من أصحابها من القبائل البربرية.

فلما فرغ ادريس الثاني من بناء المدينة وأدار السور حولها وترتيب الأبواب في مدة تتراوح ما بين ثلاثة أو أربعة سنوات، عمل على استقرار القبائل العربية بها فأنزل كل قبيلة بناحية من نواحيها فنزلت العرب القيسية من باب افريقية الى باب الحديد من أبواب عدوة القرويين، ونزلت الأزد بجوارهم، ونزل اليحصبيون بجوار القيسية من الجهة الأخرى .

وبجانب القبائل العربية استقرت القبائل البربرية مثل صنهاجة ولواته ومصمودة وكذلك خلق كثير من اليهود، فأنزلهم ادريس الثاني بناحية أغلان إلى باب حصن سعدون وفرض عليهم الجزية فكان مبلغ جزيتهم في كل سنة ثلاثين ألف دينار.

ويذكر صاحب كتاب قبائل المغرب، عبد الوهاب بن منصور واصفا حقبة الأدارسة :

.

” كما سارت البلاد المغربية على عهد الأدارسة في طريق التعريب ، وذلك بوفادة القبائل العربية على المغرب للاقامة أو للعبور الى الأندلس وثم تنظيم الحكومة على أساس عربي ، وإنشاء مدن ذات طابع عربي ، وبناء المساجد والمدارس والمعاهد وترتيب الفقهاء والعلماء بها لتعليم القرآن وأحكام الدين وقواعد اللغة العربية …. ، فكان ذلك بداية لنشوء أدب عربى مغربي”.

عبد الوهاب بن منصور، قبائل المغرب الجزء الأول، المطبعة الملكية الرباط. ص. 118.

ويقول أندريه كلو في كتابه (هارون الرشيد ولعبة الأمم) :

.

” حرص إدريس الأول على بناء عاصمة تضاهي أو تنافس طحريت والقيروان ، وقد وقع اختياره على مدينة فاس،… ثم جاء بعده ابنه إدريس الثاني الذي سك العملة واستمر على خطى أبيه ، فنقل مدينة فاس إلى الضفة الأخرى لمجرى النهر ، وفي أعلى الضفة شيد جامع الشريف إلى جانب قصره…،وفي عام 815م وبعد سقوط الانتفاضة ضد الأمويين طردت ثمانية آلاف عائلة عربية من إسبانيا وجاءت تسكن فاس، وقد أطلق على المنطقة التي أقاموا فيها اسم حي الاندلس ولا زالت باقية لحد الآن “.

أندريه كلو. هارون الرشيد ولعبة الامم. د صادق عبد المطلب الموسوي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص. 78

الخلافة الفاطمية :


عمد الفاطميون منذ توليهم الحكم إلى جلب القبائل العربية، للمنطقة رغم أن جيوشهم كانت تتكون في أغلبها من البربر، فكانت أولى القبائل التي جلبوها من القبائل القيسية من بني هلال وبني سليم ومن معهم من جموع القبائل العربية الأخرى (دريد، والأثبج، ورياح…)، بغرض القضاء على بني زيري الصنهاجيين، وكان الفاطميون قد جلبوا القبائل القيسية ومن معهم من جموع القبائل العربية الأخرى من مواطنها في الجزيرة العربية وأسكنوها شرق النيل، ودخلت تلك القبائل في موجات متتالية كانت أولى تلك الموجات المتكونة من بنى هلال وجشم والمعقل كافية لهزيمة والي إفريقية، ومن معه في معركة حيدران التاريخية، واحتلوا القيروان وسوسة ثم ملكوا بلاد قسطينة كلها وغزا عامل بن أبي الغيث منهم زناتة ومغراوة فاستباحهم ورجع.

وبحلول نهاية الغزو ، فقد الزيريون والحماديون معظم أراضيهم، حيث اقتصروا على شريط ساحلي صغير على ساحل إفريقية. كما قد أجبر الحماديون على دفع جزية سنوية للهلاليين، و اصبحوا تحت التبعية الهلالية ، وتلى دخول بني هلال وفود موجة بنى سليم وغطفان ( فزارة، ورواحة) والتي استوطن أغلبها في ليبيا.


يقول ليون الإفريقي (الحسن الوزان) عن الهجرة العربية في عهد الفاطميين قائلا :

الفترة مابين القرن 11م والقرن 16م

شملت هذه الفترة أكبر الهجرات العربية لبلاد المغرب، والتي بها ثم تغيير التكوين الديموغرافي لهذه البلاد، فسميت بالموجة الثانية من الفتح العربي، أو ماعرف بالتغريبة الهلالية الكبرى، لكون بني هلال من أكبر القبائل التي هاجرت فيها، وتعرف كذلك بـ “الهجرة القيسية ” نسبةً إلى ان أغلب القبائل المهاجرة تندرج تحت الفرع القيسي من العرب العدنانية.

وبالرغم أن بني هلال وبني سليم شكلوا أكبر القبائل المهاجرة إلا أنها ضمت قبائل هوازنية أخرى كجشم وسلول ودهمان والمنتفق وربيعة وخفاجة وسعد وكعب وسواءة وكلاب وقبائل قيسية كفزارة واشجع وعبس وعدوان وفهم وقبائل مضرية كهذيل وقريش وتميم، وعنزة، وقحطانية كجذام وكندة ومذحج.

يقول ابن خلدون :

.


” سارت … جميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه حتى وصلوا أفريقية سنة 443هـ”.

فقد تميزت هذه الفترة بإنتشار كبير للقبائل العربية في شمال إفريقيا، وإستيطانها لجموع الأراضي في بلاد المغرب حيث يذكر إبن خلدون واصف تغير حال بلاد المغرب:

.

“وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران” .

إبن خلدون. تاريخ ابن خلدون ج1. ص. 32.

وهذا ما أكدته عدة مراجع تاريخية وازنة فنجد كتاب : المجتمعات الإسلامية حتى القرن التاسع عشر، الصادر عن جامعة كامبردج لمؤلفه إيرا ام لابيدوس (Ira M. Lapidus)، يقول :

.

“في القرن الحادي عشر، أدت غزوات البدو الرحل، بنو هلال العرب من الشرق والمرابطين من جنوب المغرب، إلى تغيير الجغرافيا السياسية والدينية والثقافية لشمال إفريقيا وإسبانيا . فقد هزم بنو هلال وبنو سليم القادمون من الجزيرة العربية ومصر، ولايتي الزيريين، والحماديين… كما سيطروا على السهول، واضطر السكان المستقرونيفي تلك مناطق إلى اللجوء للجبال، في وسط وشمال توس ، ولاحقًا في الجزائرو والمغرب “.

Ira M. Lapidus. ” Islamic Societies to the Nineteenth Century: A Global History” . Cambridge University press. Page: 375

وجاء في موسوعة شعوب إفريقيا والشرق الأوسط وهو مؤلف علمي تاريخي مشترك بين عدة دكاترة :

.

“كان بني هلال اتحاد قبائل عربية كبيرة استقرت في شمال إفريقيا في القرن الحادي عشر، وقد ذهب بني هلال في الأصل إلى شمال إفريقيا قادمين من شبه الجزيرة العربية كجزء من حملة عسكرية أرسلها الحكام الفاطميون للإمبراطورية الإسلامية… ، وكان لهجرة بني هلال إلى شمال إفريقيا آثار طويلة المدى على التنمية الثقافية للمنطقة، حقيقة أن تحدث المغرب وتونس والجزائر العربية وارتباطهم الثقافي الوثيق بالعالم العربي يرجع إلى حدٍ كبير إلى هجرة بني هلال”.


Jamie Stokes, ; Anthony Gorman and Andrew Newman. Encyclopedia of the Peoples of Africa and the Middle East. New York : Facts On File. Page : 98

وقد وصف مؤلف مشترك آخر صادر عن جامعة كامبردج معنون بـ “أسباب ونتائج الهجرة البشرية : منظور تطوري” ، الهجرة الهلالية بأنها من أهم الهجرات في تاريخ شمال إفريقيا حيث ارتبطت بتوسع عربي ثانٍ على يد كل من بني هلال وبني سليم”.

وعليه فإن الهجرة الهلالية في هذه الفترة هي التي لعبت أكبر دور في تعريب المنطقة كما أسلف المؤرخون، وهذا ما أكده المستشرق البريطاني جون سبنسر ترمنجهام الذي قال في كتابه “الإسلام في إثيوبيا “:

.

” تعريب شمال إفريقيا تم بهجرة قبائل عربية كاملة، وانتشر البدو منها في السهول”.

J. Spencer Trimingham. Islam in Ethiopia. Page : 139

أما المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري، فيذكر في كتابه الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، واصفا تغير حال المغرب في هذه الفترة :

.

“إلى أواسط المائة الخامسة فدخلت العرب أرض افريقية واستوطنوها بحللهم وخيامهم ثم لما كانت أواخر المئة السادسة في دولة يعقوب المنصور رحمه الله نقل الكثير منهم إلى المغرب الأقصى فاستوطنوه بحللهم وخيامهم كذلك، وصارت أرض المغرب منقسمه بين أمتين أمة العرب أهل اللسان العربي وأمة البربر أهل اللسان البربري بعد أن كانت بلاده خاصة بالبربر لا يشاركهم فيها غيرهم”.

الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ج1،. دار الكتب. ص. 123-124.

ويقدر عدد عرب بني هلال الذين هاجروا في التغريبة الهلالية بما يفوق 200 ألف، كما تجمع المصادر التاريخية، وهو نفس ما جاء في كتاب ” إفريقيا: موسوعة التجربة الأمريكية الأفريقية “، الصادر عن جامعة أوكسفورد البريطانية، من تأليف الدكتور كوامي أنتوني أبيا والدكتور هنري لويس جيتس جونيور، الصفحة 360 :

.

“في القرن الحادي عشر، بدأت قبائل بنو هلال وبنو سليم -وهما قبائل بدوية عربية الأصل من الجزيرة العربية- في الهجرة غربًا من مصر العليا إلى الأرض المسماة إفريقية (تونس الحالية وشرق الجزائر). استقروا في المناطق التي تضم الآن ليبيا والجزائر وتونس وبعد ذلك المغرب. ويشير المؤرخون إلى حركة “الهلاليين”، كما عُرفوا إجمالا، على أنها لحظة حاسمة في “تعريب” شمال إفريقيا، وصلت لما يفوق 200 ألف فرد “.

Anthony Appiah, Henry Louis Gates (Jr.). ” Africana: The Encyclopedia of the African and African American Experience” . Oxford University Press. Page :360

أما وليام مارسيه فقدر عدد القبائل الهلالية التي هاجرت بمليون شخص منهم المحاربون والنساء والأطفال والشيوخ.
ويقول الهادي روجي إدريس عن هذه الهجرة :

.

“لقد تمكنت الغزوة الهلالية من قلب الجغرافيا البشرية في المغرب الكبير “.

د. حماه الله ولد سالم. تاريخ موريتانيا قبل الاحتلال الفرنسي. دار الكتب العلمية بيروت لبنان. ص. 174.

كما يصف لنا ابن سعيد الأندلسي، كثرة أعقاب آل منصور بن عكرمة وحده في إفريقيا قائلا :

.

“إذا نادت العرب: يآل منصور! بأفريقية، يقال: إنها تجتمع في مائة ألف فارس. ولهم هنالك عز وثروة، وتحكم على البلاد والعباد. وهم من صعيد مصر إلى البحر المحيط قد عمروا مسافة نصف المعمورة؛ ولا نعلم في الشرق ولا في الغرب للعرب جمجمة أعظم منها “.

تأليف ابن سعيد الأندلسي (٦١٠هـ – ٦٨٥هـ). “نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب ج 2 ” ، ص493.

وإلى جانب الإنتشار الهلالي في بلاد المغرب، عرفت هذه البلاد توسعا أخر مجسدا في إكتساح بني معقل الذين سيطروا على معظم الأقاليم الجنوبية لبلاد المغرب يذكر إبن خلدون معاصر حقبة دخول بني معقل وأدق من كتب عن دخولها :

” لهذا العهد من أوفر قبائل العرب ومواطنهم بقفار المغرب الأقصى مجاورون لبني عامر من زغبة في مواطنهم بقبلة تلمسان، وينتهون إلى البحر المحيط، من جانب الغرب وهم ثلاثة بطون ذوي عبيد الله، وذوي منصور، وذوي حسان. فذوي عبيد الله منهم هم المجاورون لبني عامر، ومواطنهم بين تلمسان و تاوريرت في الثل وما يواجهها من القبلة. ومواطن ذوي منصور من تاوريرت إلى بلاد درعة فيستولون على ملوية كلها إلى سجلماسة، وعلى درعة وعلى ما يحاذيها من التل مثل تارى وغساسة ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمقدر. ومواطن ذوي حسان من درعة إلى البحر المحيط، وينزل شيوخهم في بلد نول قاعدة السوس فيستولون على السوس الأقصى وما إليه، وينتجعون كلهم في الرمال إلى مواطن الملثمين من كدالة ومسوفة ولمتونة “.

فبلاد المغرب عرفت تحولا ديموغرافيا كبيرا نتج عنه هيمنة للعرب منذ القرن السابع عشر إلى اليوم ففي المغرب (كدولة)، يقول جيمس ج جاكسون وهو رجل أعمال بريطاني من أهل القرن الثامن عشر ميلادي، أقام في المغرب مدة ستة عشر سنة، أن المغرب أكثر سكانه من العرب كما قدم وصفا دقيقا لمناطق إنتشار العرب في المغرب يمكن مراجعته في مقال خاص بالضغط (هنا).

ويذكر الفقيه الكانوني (ولد سنة 1893م)، من أهل القرن التاسع عشر حول التكوين البشري لأهل المغرب في هذا العصر قائلا :

” خلاصة ما بسطناه أن الأمة المغربية جلها عرب ما بين عدنانية وقحطانية… ويضيف : بعد الاسلام فقد أمته (المغرب) موجات عديدة من العرب وقد قدرت موجة الهلاليين وحلفائهم بما يربو على مليون نسمة فكيف بغيرها فغمرت قبائل العرب السامية بكثرتها قبائل البربر الحامية بحيث صارت الثانية اقلية ضئيلة وامتزجت الجنسيتان امتزاجا غريبا من قديم الازمان”.

أسفي وما إليه قديما وحذيثا

استعراب بلاد المغرب من منظور علم الوراثة

بالرجوع لدراسة أرونا، (Arauna et al)، سنة 2017م، والتي كانت بعنوان ،” الهجرات التاريخية الأخيرة شكلت التجمع الجيني للعرب والبربر في الشمال“. نجدها تؤكد أن عملية التعريب في المغرب العربي لم تكن عملية استبدال ثقافي بل عملية تغيير ديموغرافي غيرت شكل الواقع الجيني في المغرب العربي.

___________________

يمكن مراجعة باقي المعلومات والمصادر بالضغط (هنا).

السابق
لماذا اخترت خوارزمية من علم التعمية (التشفير) كمثال في الجزء الرابع من #حركة_الترجمة؟
التالي
قبائل دكالة العربية

تعليق واحد

أضف تعليقا

اترك تعليقاً