مقالات متنوعة

مذكرات باحث عن الحياة

الجزء الثاني:جندي مجهول في معركة الحياة

ديباجة السلسلة:

تتقاذفك أمواج الحياة ذات اليمين وذات الشمال، تجرك لذلك الجب السحيق، وتغرق في اليم الذي لا ساحل له، أتراك يا صاح تمني نفسك بأنك لازلت حي ترزق، أم أن أنفاسك بالكاد تصعد وتنزل في جوفك الذي أضحى قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، نعم أنت كتلة لحم تمضي لا تكترث لانصرام سنون الحياة من بين يديك، تعيش لتأكل وتشرب وتتناسل وتموت وتُنسى بعدها وكأنك لم تمر من هنا، أما يكفيك كثرة النسخ المقلدة، أما تبحث عن المعدن الأصيل والذهب النفيس، أم أن حياة الغثائية أغرتك بالانغماس فيها ولم تعد تفكر في التغيير، فجغرافيتك أرض موات لا تكاد تُذكر فيها الحياة، ولهذا قررنا أن نفتح مذكرتنا ونكتب خواطرا بحثا عن الحياة…. 

إننا قررنا أن نبحث عن الحياة، بين طيات الحياة، ولن نلو في الطلب وسندفع الغالي والنفيس لننال المطلوب والمرغوب، سنكتب لأجل الحياة، ولكن ليس تلك الحيوات التي يعيشها أغلب الناس بل سنكتب عن الوضع الأمثل، 

ملحوظة : إن ما سيكتب في هذا الجزء هو رصد لمميزات شخصية حقيقية تجنبنا ذكر أسماء الأماكن والأشخاص حفاظا على الخصوصية، ونعتناه بالجندي المجهول، لأنه يقاتل لأجل لقمة العيش في عالم لا يعترف إلا بأصحاب الأموال فهو مجهول مغمور لا يكاد يعرفه إلا أفراد عائلته، لكننا سلطنا الضوء عليه ليكون بطل مذكرات باحث عن الحياة في جزئها الثاني. 

إقرأ أيضا:أصول سكان شمال إفريقيا القدامى من خلال أقوال ساللوستيوس 86 ق.م

وفي سياق آخر : نسأل الله نصرا عظيما مؤزرا لأبطالنا في الميدان في غزة رباط العزة، نصرهم الله على عدوهم وأعلى رايتهم آمين. 

الجندي المجهول والضرب في الأرض لتحصيل الرزق

تبدأ القصة في بلدة محاطة بالتلال من كل جانب ،طبيعتها سهلية ومناخها قاس شتاء وصيفا! في هذا المكان تنفس الجندي المجهول أول أنفاسه في الحياة، حينما وُلد قبل سنوات، درس وتعلم الأساسيات لكنه لم يتجاوزها للمعلومات ولم يمتلك أية مهارات! كغيره من أبناء جيله من ترعرعوا على حب الأرض والطين، فكانت مورد رزقهم وكان قوت يومهم عرق الجنين، ومن جرب الزراعة عرف ما أقول في الحين.

إنما المعارك في الحياة يقودها الشجعان من لا يخافون تقلب الدهر ونوائبه، أما من وُلد فوجد ملعقة من ذهب في فمه، فذلك لا يُعتبر قائدا فذا أو جنديا مغوارا، إنما قطف الثمار وجنى ما حصده أسلافه الأحرار، وأما من يتباهون بوظائفهم ومهنهم المرموقة ،فأولئك غرهم حلم الحليم، اعتقدوا أن الناس تتمايز بالوظائف و الأغطية التي تستر السوءات، فتجد من يباهي الخلائق بربطات العنق و الملبس الغالي الثمن، ومثل هؤلاء لا يُسمع لهم ركزا، ولن أكلف نفسي بالكتابة عن هؤلاء مهما قدموا، إنما نحن نكتب عن البسطاء وذلك الأشعث الأغبر الذي لا يُأبه له.

إقرأ أيضا:دفاعا عن لسان الوحي المبين أكتب….

يبدأ الجندي  المجهول يومه بابتسامته المعهودة التي لا تفارق محياه، يتوجه إلى السوق طلبا للرزق فهو يشتغل عامل توصيل الأثقال في السوق، لكن لن تجده قط يتأفف من عمله هذا، فهو يؤمن بأن كل مُيسر لما خُلق له، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فما كان لك لن يأخذه غيرك وما كان لغيرك لن يصل إليك، فهي أرزاق قسمها الرزاق، فمن الناس من يتفوق بعقله ومن الناس من يتفوق بيديه، والمفروض أن يقع التكامل بين الفئتين حتى يستقيم حال المجتمع، ويسود فيه التعاون والتضامن.

حينما تلتقي بالجندي يحادثك والبسمة تعلو وجنتاه، قد تكون ثيابه بسيطة وليست غالية، لكن الطيبة فعلا أغلى ما يملك إنسان، فمهما جنيت من مال وحصلت الدور والقصور، لن يستقيم حالك وأنت متكبر مغرور، ألا تعلم يا صاحبي أنك جيفة نتنة حينما تسلم الروح لبارئها ولولا كرم الأهل والعشيرة لتعفنت جثتك وأصبح ريحها تفر منها الخلائق كما تفر الغزالة من الغندفر المفترس.

لا تحسبن الحديث عن الجندي مُختزل في ذلك الذي يحمل السلاح ويدافع عن الأرض والعرض، إنما الجندي كل من يواجه العقبات و يندفع لمواجهة صعاب الحياة، فذلك حقا جندي سلاحه العمل الجاد، ووقوده العمل الممزوج بالأمل. 

دائما ما يحرك الإيمان والأمل معاركنا في الحياة، فمهما اسودت الدنيا في وجهنا نظل متمسكين بقارب النجاة يرسله لنا المولى عزوجل حينما تنقطع السبل وننعزل في جزر بعيدين عن الخلق، فقد تعيش وسط الازدحام وفي قلب المدينة المتخمة بالسكان لكن عقلك و قلبك يحمل ما لا تطيق الجبال حمله، ولا تستطيع البوح أمام الأقرباء والأغيار لأنك ما اعتدت الشكوى لغير الله، ولا يستقيم حال مؤمن خلط التوكل بالشكوى والتذمر، وجلس ينتظر السماء تأتيه بالمطر المُحمل بالذهب،لكن يعيش المرء يومه يومه، وتسكن روحه روحه حينما يأوي لملاقاة مولاه في جوف الليل حينما تسكن الأرواح وتخلد للسباة، أنذاك تستطيع البوح بحرية.

إقرأ أيضا:كتاب الأمثال الشعبية في الوطن العربي

الجندي المجهول والاستثمار في الإنسان

يتعب الإنسان لتحصيل الرزق خاصة إذا كان من الطبقة المتوسطة والفقيرة، حيث الطبقتان أصبحتا في هذا الزمان متشابهان ولا تختلفان البتة،لكن في خضم هذه الظروف يستثمر المرء في أبناءه، فيحرص على تعليمهم أحسن تعليم ويتعاهدهم بالتربية! فيفرح لنجاحهم الدراسي ويحزن لفشلهم، بل يصل به الأمر أن يتناسى تقريضهم على استهتارهم في أداء الواجبات الدينية من صلاة وصوم، وينتفض غاضبا مزمجرا إذا قصروا في أداء واجباتهم الدراسية! وحيث أنه كان من المفروض أن يكون هناك توازن بين الأمرين، يحصل دائما العكس، ربما بسبب طغيان المادة على الإنسان المعاصر، فما عاد يفكر في روحانياته بل أصبح يركز على كل ما هو مادي في حياته فيضخمه أكثر، ويهمل ما هو روحي فيحقره أكثر، وكان حري بمن كانت الآخرة همه، ومن عرف أن الدنيا دار ممر، أن يوازن بين البعدين، ويربي أبناءه دائما على التوازن والزهد في الحياة، فقد يكون ابنك مهندسا ألمعي أو طبيب حاذق، لكنه لا يعلم المعلوم من دينه بالضرورة، ويقرأ القرآن وهو يتعتع وإذا قام للصلاة نقرها نقر الغراب، وإذا صام كان كمن أضرب عن الطعام لمدة محددة مع الأنام. ليت الجندي يعلم أننا راحلون فعلا وأن ابنه مهما علا شأنه بين الناس، ونظروا له نظرة احترام وتبجيل، لن تغني عنه تلك النظرات والإعجابات إذا كان لا يعرف ربه حق المعرفة، ويخلط بين الجانبان(الحلال والحرام) ولا يراعي حق المساكين والأيتام، فلا يتصدق إلا وهو مغرور مزهو بماله.تذكر في النهاية أن رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب إذا أقسم على الله أن يبره لأبره، هكذا علمنا النبي المختار صلى الله عليه وسلم، وهكذا يجب أن نستثمر في الإنسان ونجعله يعمل للدارين فيفوز فوزا عظيما ويكون قرة عين لوالديه.

السابق
دولة الأدارسة والعرب
التالي
التأثير الجيني العربي حاضر بقوة لدى الأندلسيين حسب دراسة جينية جديدة

اترك تعليقاً