تاريخ وأحداث

معركة القرن والأصنام {قمع الثوار وإعادة الاعتبار}

في عام 123هـ، تمكن خوارج البربر والموالي من السيطرة على القسم الأعظم من بلاد المغرب، بعد أن هزموا جيوش الخلافة الأموية هزيمتين متتاليتين، قتل خلالها أشراف العرب وخيرة التابعين، الذين نزلوا أفريقية عند الفتح، وفني فيها عدد من جيش الخلافة في المغرب، وجيش الإنقاذ الذي بعث به الخليفة هشام بن عبد الملك، من الشام، بقيادة كلثوم بن عياض القشيري، بعد أن خرجت الأمور عن سيطرة عبيد الله بن الحبحاب أمير أفريقية.

وإن كانت هذه المعارك دائعت الصيت اليوم فإنها لا ترقى لدرجة معركتي القرن والأصنام العظيمتين أخر سنة 124هـ، والتي يغفل معظم المؤرخين اليوم ذكرهما نظرا للإنتصار الساحق فيهما للأمويين ونهاية الخوارج ومن تبعهم .

ومن بين الأكاذيب التي يشاع ذكرها في مواقع التواصل الاجتماعي أن معارك البربر (معركة الأشراف، وبقدورة)، كانت سببا في نهاية حكم الأمويين لبلاد المغرب، بل زاد تدليسهم لدرجة أنها كانت سببا لسقوط الأمويين، وهذا طبعا ضرب من الخيال الذي لا مرجع له ولا أساس ينبني عليه، فمعلوم أن حكم الأمويين للمغرب العربي إستمر سنين بعد معركة الأصنام، وأن نهاية الأمويين كانت نتيجة صراعات داخلية كعامل أساسي فقط.

إقرأ أيضا:قبائل بني هلال بمنطقة الشاوية بالمغرب

وقد خصصنا مقالنا هذا للتفصيل في معركتي القرن والأصنام، خصوصا أنهما من المعارك التي كان لها نتائج سياسية وإجتماعية بل وديموغرافية واسعة كذالك.

أولا : وقائع المعركتين (741م)

إن شمال إفريقيا في عصر الدولة الأموية عرفت عدة حروب ووقائع كان لها أثر كبير على التكوين الديموغرافي للبلاد، وكان من نتاج هذا تقلص الحضور البربري الكبير في بلاد المغرب، ومن أهم هاته الحروب نخص بالذكر معركة القرن والأصنام التي كانت خسائرها كبيرة في صفوف البربر وغيرهم من الخوارج، كما أجمع المؤرخون، إذ تعد المعركتين سالفه من المعارك الطاحنة التي دارت بين العرب والبربر، بعد خيانة موقعة الاشراف وهزيمة بقدورة، فلما سمع الخليفة هشام بن عبد الملك خيانة البربر وتمردهم على العرب وهزمهم في معركتين، عين القائد حنظلة بن صفوان الكلبي واليا على مصر وإفريقية وهذا الأخير كان قائدا شجاعا فارسا مغوارا إستطاع إبادة البربر الخوارج وإعادة الخلافة والطاعة لبلاد المغرب عامة.

يقول شهاب الدين النويري عن واقعة تعيين حنظلة واليا من طرف الخليفة هشام في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب، الجزء 11، ص 33 ما نصه :

إقرأ أيضا:أصل تسمية أسفي

” ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك، بعث إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي، وكان عامله على مصر ولاه عليها في سنة تسع عشرة ومائة، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية. فقدمها في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة “. (راجع هنا )

وبعد تولي حنظلة علم زعماء البربر الخوارج، وهما عكاشة الصفري وعبد الواحد بن يزيد الهواري بهذا فقرروا قتله هو الأخر بمباغتته بجيش من البربر لم يرى مثله في إفريقية ولا أكثر منه ويقول عن هذا المترجم أعلاه النويري في نفس المرجع :

   ” فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الصفري الخارجي في جمع عظيم من البربر، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر منه…، وزحف إلى حنظلة أيضا عبد الواحد بن يزيد الهواري في عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب : فأخذ عكاشة على طريق مجانة، فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل طبيناس، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي ” .

 فلما علم حنظلة بتوجه الجيش إليه قرر مهاجمة عكاشة وجيشه أولا، ثم مواجهة عبد الواحد بن يزيد الهواري، كي لا يكثر عليه الجمع لعظمة و كثرة جيش البربر، وفي هذا يضيف النويري :

إقرأ أيضا:التركيبة السكانية في المجتمع الأندلسي

  ” فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن يجتمعا عليه، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. والتقوا بالقرن وكان بينهم قتال شديد فني فيه خلق كثير وهزم الله عكاشة ومن معه، وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة “.

  وبعد قتل عكاشة وجيشه قرر حنظلة الرجوع للقيروان قبل هجوم عبد الواحد بن يزيد الهواري عليها وكان جيش عبد الواحد كبيرا جدا يضم أكثر من 300 ألف مقاتل من البربر الخوارج، ويقول في هذا ابن الأثير الجزري في كتابه الكامل في التاريخ المجلد الرابع ، ص229 ، مانصه :

” وسار عبد الواحد فنزل على ثلاثة أميال من القيروان بموضع يعرف بالأصنام، وقد اجتمع . معه ثلاثمائة ألف مقاتل، فحشد حنظلة كل من بالقيروان وفرق فيهم السلاح والمال، فكثر جمعه”. (راجع هنا)

وعن وقائع المعركة بين الطرفين يقول :

   ” فلما دنا الخوارج مع عبد الواحد خرج إليهم حنظلة من القيروان واصطفوا للقتال، وقام العلماء في أهل القيروان يحثونهم على الجهاد وقتال الخوارج ويذكرونهم ما يفعلونه بالنساء من السبي…، فكسر الناس أجفان سيوفهم، وخرج إليهم نساؤهم يحرضنهم، فحمي الناس وحملوا على الخوارج حملة واحدة وثبت بعضهم لبعض، فاشتد اللزام وكثر الزحام وصبر الفريقان، ثم إن الله تعالى هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر القتل في البربر وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون، ولم يعلموا أن عبد الواحد قد قتل حتى حمل رأسه إلى حنظلة، فخر الناس لله سجداً .”

وقيل في حق المعركة هذه كما أجمع المؤرخون وأهل العصر بالتواتر بنفس القول: “ لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، فعجز الناس عن ذالك “. وقال إبن عذاري المراكشي في كتابه البيان المغرب في أخبار المغرب نقلا عن إبن عبد الحكم والنويري وإبن خلدون والرقيق القيرواني  ” وقيل ما علم في الأرض مقتلة كانت أعظم منها ” وروى أن الليث بن سعد كان يقول : « ما غزوة كنت أحب ان اشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والاصنام ». (راجع هنا/هنا/هنا/هنا)

ثانيا : النتائج

كان هذا الإنتصار الكاسح للعرب وإبادة البربر ومن تبعهم من الخوارج، بمتابة إعادة الإعتبار وحافز لنزوح العرب لشمال إفريقية مجددا، بعدما أعادوا قوتهم في بلاد المغرب، وقد إستمر ملك الأمويين للمغرب حتى قيام فتنة الوليد الفاسق، يقول الناصري في الإستقصا :“ ولم يزل حنظلة على المغرب في أحسن حال إلى أن طرق الخلل الخلافة بالمشرق، وخفت صوتها لما حدث في بني أمية من فتنة الوليد الفاسق “.(راجع هنا)

وهذا تؤكده كذالك الرسالة التي أرسلها حنظلة بن صفوان الكلبي، لأهل طنجة يحتهم فيها على العودة للطاعة، وقد أوردها صاحب كتاب «رياض النفوس» العالم الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد المالكي {1061م}، في الصفحة 67 على الشكل التالي :

راجع نص الرسالة هنا

وبسبب نزوح العرب خلال هذه الفترة ظهرت دويلات عربية بعد سقوط الأمويين كالأدارسة بالمغرب والأغالبة بتونس والجزائر ثم الفاطميين بعدهم وغيرهم كثير.

ولم تقتصر الآثار هنا بل إمتدت حتى الأندلس حيث ثار العرب ضد البربر وقتلو فيهم الكثير حتى إضطر من بقي منهم إلى الفرار والرجوع للمغرب.

فبعد ثورة البربر على العرب في الأندلس قام وليها إبن قطن بالإستعانة ببلج وجيشه من الشاميين لمحاربة البربر قبل أن تقوى شوكتهم وهذا ما حققه القائد بلج، يقول المقري التلمساني مؤرخ الأندلس في هذا :

“ واتفق في هذا الوقت أن برابر الأندلس لما بلغهم ما كان من ظهور برابر العذوة على العرب انتقضوا على عرب الأندلس، واقتدوا بما فعله إخوانهم، ونصبوا عليهم إمامًا، فكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن، واستفحل أمرهم، فخاف ابن قطن أن يلقى منهم ما لقي العرب بير العدوة من إخوانهم، وبلغه أنهم قد عزموا على قصده، فلم ير أجدى من الاستعداد بعرب الشام أصحاب بلج الموتورين، فكتب لبلج، وقد مات عنه كلثوم في ذلك الوقت، فأسرعوا إلى إجابته، وكانت أمنيتهم، فأحسن إليهم، وأسبغ النعم عليهم، وشرط عليهم أن يأخذ منهم رهائن، فإذا فرغوا له من البربر جهزهم إلى إفريقية، وخرجوا له عن أندلسه، فرَضُوا بذلك، وعاهدوه عليه، فقدم عليهم وعلى جنده ابنيه قطنا وأمية، والبربر في جموع لا يحصيها غير رازقها، فاقتتلوا قتالاً صعب فيه المقام، إلى أن كانت الدائرة على البربر، فقتلتهم العرب بأقطار الأندلس حتى الحقوا قلهم بالثغور وخلوا عن العيون، فكر الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم فاشتدّت شوكتهم، وثابت همتهم “.(راجع هنا)

وقال عن هذا إبن عذاري في «البيان المغرب» ؛ “ فلما حلوا بالخضراء، اجتمع بهم عبد الملك بن قطن؛ وكان بشذونة جمع من البربر، عليهم رجل زناتي؛ فبدأ عبد الملك بمقاتلتهم في وادي الفتح من شذونة، فلم يكن العرب فيهم إلا نهضة، حتى أبادوهم، وأصابوا أمتعتهم ودوابهم. فاكتسى أصحاب بلج، وانتعشوا، وأصابوا الغنائم. ثم نهضوا مع عبد الملك إلى قرطبة؛ ثم ساروا بأجمعهم إلى جهة طليطلة، وقد اجتمع هنالك معظم البربر؛ فكانت هزيمتهم العظمى هنالك بوادي سليط من حوز طليطلة، بعد أن زحف عبد الملك وبلج إليهم بعرب الأندلس، حاشا عرب سرقسطة وثغورها. وزحف البربر بأجمعهم، فهزمهم العرب، وقتلوا منهم في الهزيمة آلافا “. (راجع هنا)

بعد إبادة البربر في الأندلس على يد الشاميين قوة شوكتهم بالبلاد، يقول إبن عذاري : “لما أباد ابن قطن البربر بالأندلس، بمن كان معه من العرب، وبأصحاب بلج، قال لبلج وأصحابه: (اخرجوا من الأندلس على ما شورطتم عليه!) فقال بلج: (احملنا إلى ساحل البيرة أو ساحل تدمير!) فقال لهم عبد الملك: (ليست لنا مراكب إلا بالجزيرة!) فقالوا له: (إنما تريد أن تردنا إلى البربر ليقتلونا في بلادهم!) فلما ألجَّ عليهم في الخروج، نهضوا إليه؛ فأخرجوه من قصر قرطبة إلى داره بالمدينة…“. (راجع هنا)

فلما هلك بلج قدم الشاميون عليهم بالأندلس ثعلبة بن سلامة سنة 742م، فقام هو الأخر بمطاردة من بقي من البربر في مخابئهم فحاصر أخر معاقل البربر في الأندلس وقتلهم ومن معهم من العرب وسبا نسائهم وأطفالهم، يقول عن هذا الدكتور عبد القادر بولاية: ” فهذا ثعلبة بن سلامة….، يقوم بغزو من بقي من البربر والعرب البلديين المقيمين بماردة (معقل البربر)، ويقتل عددا كبيرا منهم في يوم العيد، ولم يكتف بذلك بل أقبل إلى قرطبة بعدد من السبي كثير – يقدره المؤرخون بنحو الألف إلى عشرة ألاف “.(هنا)

يقول إبن عذاري في البيان المغرب :

” فأقعد أصحابه ثعلبة بن سلامة بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. وثار من بقى من البربر بماردة في أيامه، فغزاهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً “. (راجع هنا)

ويقول إبن الأثير في الكامل في التاريخ :

” الأمير ثعلبة فقام بالأمر وثارت في ايامه البربر بناحية ماردة فغزاهم فقتل فيهم فاكثر “. (راجع هنا)

وبعد هذه الإبادة الكبيرة التي عرفها البربر في عهد هشام بن عبد الملك حاول البربر الفرار من الحد وهربوا من الأندلس وفي هذا يقول عبد القادر بوباية :

” وبعد الحرب العنيفة التي دارت بين الطرفين، وانتصار العرب على البربر، اشتد العرب في الانتقام منهم؛ فخاف من بقي من البربر، واضطروا إلى ترك البلاد ” . (راجع هنا)

______ مراجع _____

لمراجعة كافة المراجع أدخل(هنا) وراجع قسم بعد الاسلام.

السابق
علماء الأندلس
التالي
حضارة العرب في الجزيرة العربية في عصور ماقبل الإسلام

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. سهير قال:

    مقال فيه الجواب الكافي والوافي، بارك الله فيكم و سدد خطاكم، تحية و سلام من مغربية عربية حرة

اترك تعليقاً