مقالات متنوعة

الأصول الجينية لسكان الاندلس

يعد علم الوراثة والأنساب البعيدة من العلوم الرائجة عاميا في المجتمعات العربية أو الغربية، وإن هذا العلم قد وجد إستحسانا من الأقليات الموجودة العالم العربي، كالقبط والبربر والكرد إلخ، فتجدهم يحتجون به في كل موضع في محاولة لإعطاء مشروعية لأصولهم المزعومة دون سند تاريخي، ومما تسلط عليه هؤلاء الفئات المجهولة هو الحضارة الأندلسية العربية، بزعمهم أن علم الوراثة يقول أنهم كانوا سكانا محليين لا علاقة لهم بالعرب فهل هذا حقيقي؟ أم تدليس مزعوم كغيره من هرطقات الأقليات ؟.

قبل الإجابة على الإشكالة أعلاه علينا أولا أن نشرح ما علاقة علم الجينات بالعرق وهل يوجد جين عربي وجين فارسي إلخ كما يزعم الأقليات؟

أولا : علاقة علم الجينات بالعرق

إن المبدأ والأصل في علم الوراثة أنه لا يوجد أساس وراثي للعرق، أي أنه لا يوجد جين خاص بعرق معين أو عرق له جين خاص، بل إن البشر في علم الوراثة هم متشابهون بنسبة 99.9٪ ويشكلون عرقا واحدا، بمعنى أنه في علم الوراثة فإن العرق لا يوجد من أساسه مادام جميع البشر متشابهون، جاء في تصريح وزارة الطاقة الأمريكية (قسم العلوم) عن هذا :

راجع التصريح هنا

وقد جاء في دراسة منشورة على المجلة الطبية العلمية المحكمة (PubMed Central)، حول العلاقة بين علم الجينات والعرق “أكد الانتهاء من مشروع الجينوم البشري في عام 2003 أن البشر متطابقون بنسبة 99.9 ٪ على مستوى الحمض النووي ولا يوجد أساس وراثي للعرق “.

إقرأ أيضا:فتوحات الوليد بن عبد الملك.. العصر الذهبي للدولة الأموية

وإنعدام العلاقة بين علم الوراثة والعرق فهو حقيقة علمية لا نقاش فيها، ويمكن لمن اراد التوسع في هذا الموضوع مراجعة المقال العلمي جدلية علم الجينات وتحديد الأصول هنا.

ثانيا : الأصول الوراثية لسكان شمال إفريقيا

بعد فصلنا لمسألة العرق والجينات، وجب أن نتطرق أيضا للتدليس الذي طال هذا العلم في نتائجه بخصوص سكان شمال افريقيا، بحيث يدعي بعض الاقليات أن علم الجينات قال بأن لا علاقة للمغاربة بالمشرق لكن العكس هو الصحيح وهو ما سنتناوله في هذا الفصل.

إن الشعب المغربي حسب الدراسات الوراثية الجينية، هو مشرقي الأصول والجينات، منذ عهد الإيبيروموريسيين { أقدم سكان شمال إفريقيا }، وهذا تؤكده جموع الدراسات العلمية الجينية المرجعية، فنأخد على سبيل المثال دراسة معهد ماكس بلانك الألماني للعلوم، والصادرة عن مجلة (Science) الأمريكية المحكمة دوليا، بحيث تضمنت حول أصول سكان شمال إفريقيا الحاليون : “ يشترك سكان شمال إفريقيا الحاليون أغلبية أسلافهم مع سكان الشرق الأدنى الحاليين، وليس مع الأفارقة جنوب الصحراء الكبرى “. (راجع هنا)

إقرأ أيضا:مذكرات باحث عن الحياة الجزء الثالث موت الأحباب : بين الذكرى والاغتراب

وعلى نفس المنوال تؤكد دراسة جينية أخرى صادرة عن جامعة أوكسفورد سنة 2022، تحت عنوان (Ancient Human DNA and African Population History)، الأصول الجينية المشرقية لسكان شمال إفريقيا سواء القدامى أو الحالين بحيث جاء فيها : “إن العديد من سكان شمال إفريقيا الحاليين يشبهون سكان الشرق الأدنى الحاليين من الناحية الوراثية أكثر من أولئك الذين يعيشون في جنوب الصحراء الكبرى“. (راجع هنا)

وعليه فإن سكان شمال إفريقيا الحاليون هم من أصول جينية مشرقية غالبة وهذا متواتر في الدراسات العلمية التي خصت منطقة شمال إفريقيا يقول عالم الآثار والأنتروبولوجيا الدكتور وليام ستيبينج (William Stiebing) في مؤلفه العلمي المشترك مع عالمة الآثار الدكتورة سوزان هيلفت (Susan Helft)،  عن خلاصة النتائج الجينية التي أجريت حتى اليوم عن سكان شمال افريقيا بما فيهم المصريون القدامى : “ أكبر دراسة على الحمض النووي المصري القديم، نُشرت في عام 2017م، وقد جادلت بأن المصريين القدماء كانوا أكثر ارتباطًا بالمجموعات العربية والمشرقية من الأفارقة جنوب الصحراء، وأنه لم يكن هناك تغيير طفيف على مدار تاريخ مصر…، وتشير الدراسات الجينية لسكان شمال إفريقيا الحديثة عمومًا إلى تدفق كبير لسكان الشرق الأدنى منذ العصر الحجري الحديث أو قبل ذلك “. (راجع المصدر هنا)

إقرأ أيضا:الموريون

ويمكن لمن يريد التوسع مراجعة مقال الأصول الجينية المشرقية لعرب المغرب هنا.

ثالثا : الأصول الوراثية لسكان الاندلس

إن الأصول الوراثية لسكان الأندلس هي مشرقية مع إختلاط إفريقي قليل ونستعين هنا بما جاء في تقرير الجزيرة الوثائقية المنشور سنة 2023 :

يتضح لنا من خلال هذا التقرير العلمي أن مسار هجرة سكان الأندلس في العصر الإسلامي كان عبر خطين الأول منطلقه من الشرق الأوسط مرورا بشمال إفريقيا ثم الاندلس والثاني من أوروبا (بيزنط).

وهذا تؤكده الدلائل الاركولوجية والجينية معا، فتحليل رفاة مائة أشخاص ينتمون للسنوات الاولى للفتح الإسلامي ببامبلونة أكد أن هؤلاء الأشخاص كانوا مشارقة الاصول يحملون سلالات جينية مشرقية، وكانت السلالات موزعة على الشكل التالي :

راجع الدراسة هنا

فقد شكلت السلالة E نسبة %35.3، والسلالة J نسبة %35.3، وكلاهما دو أصل مشرقي.

● وفي دراسة أركولوجية جينية جديدة في الساحة العلمية حيث نشرت في مارس من سنة 2024 وقد أشرف عليها 14 مركزا علميا بقيادة الدكتورة Rebecca Anne MacRoberts من جامعة إيفورا بالبرتغال، وخصت هذه الدراسة مقبرة مدينة شنترين بالبرتغال، مؤرخة بين القرنين 8-10م، إذ نجح العلماء في إستخراج جينوم ثلاث عينات من هذا الموقع، وكانت أصولهم مشرقية صرفة ؛ حيث ظهرت العينة الذكرية رقم [2334-F] على السلالة الأبوية J1 وهي سلالة مشرقية مرتبطة بالعرب وعلى السلالة الأمومية HV24 المشرقية الأصل كذالك ؛

أما العينة الأنثوية [HS-1584] فظهرت على السلالة الأمومية H3ap ؛ والعينة الأنثوية الثالثة [HS-931] كانت على السلالة الأمومية J1b1a1 المشرقية الأصل.

راجع الدراسة هنا

وقد جاء في مقتطف من هذه الدراسة ؛ 《 نفس الفرد يحمل المجموعة الفردانية Y-chromosome J1، التي لها أصول شرق أوسطية واضحة، وتوجد نسبة عالية منها في شمال أفريقيا. على وجه التحديد، يصل تكرار هذه المجموعة الفردانية إلى 40-80% تقريبًا عبر شبه الجزيرة العربية و30% في تونس والجزائر والمغرب. في المقابل، يبلغ متوسط ​​تكرارها حوالي 5% في أوروبا وأقل من 10% في أيبيريا 》.

راجع هنا

ونضيف أن التأثير العربي الجيني في الإسبان المعاصرين، يمكن إستدلاله أيضا في السلالتين J و E-m35 فكلاهما سلالتين كما اسلفنا نشؤا في المشرق العربي.

فحسب مختبر My family tree الجيني الأمريكي، ومن خلال تحليل ما يبلغ أكثر من 5600 عينة لمواطنين إسبان، وأزيد من 1500 عينة لمواطنين برتغاليين، يعطي إحصاء لنسبة السلالة E-M35 في إسبانيا بما يقدر 《ب10٪ 》هنا، و 《13%》في البرتغال، أما السلالة J فتبلغ نسبتها《17٪》هنا  في الإسبان المعاصرين، و 《 19% 》في البرتغاليبن المعاصرين .

جاء في دراسة جينية ل David Caramelli المنشورة سنة 2015 عن السلالات الشائعة لدى الإسبان : “وأظهرت السلالات J1-M267 وJ2-M172 نسبا عالية، وخاصة الأخيرة. من المحتمل أن يكون وجود المجموعة الفردانية الفرعية J1-M267 في أيبيريا نتيجة للمهاجرين العرب الذين دخلوا شبه الجزيرة أثناء التوسع الإسلامي. على النقيض من ذلك، يبدو أن J2-M172 مرتبطة بالمستعمرات اليونانية والفينيقية التي تم تأسيسها بشكل جيد على الأقل منذ الألفية الأولى قبل الميلاد في شبه الجزيرة، وخاصة في الأندلس الساحلية.“ (راجع هنا)

السابق
الموريون
التالي
تشابه الزي الجبلي المغربي والسعودي

اترك تعليقاً