تاريخ وأحداث

الحضارة الأمازيغية واقع أم خرافة

الحضارة الأمازيغية أو بالأحرى البربرية حسب التسمية الأصلية التاريخية لسكان هذه المنطقة من بلاد المعمورة وهي شمال غرب إفريقيا، هو مصطلح أشاعه دعاة القومية التمزيغية في القرن العشرين محاولة منهم لمواكبة الأمم المتحضرة ذات تاريخ وماضي فاخر وينبني هذا المصلح في غالبه على وقائع أسطورية أكثر من كونها تاريخية حقيقية، وإلتصق دعاة التمزيغ في سبيل إضفاء الشرعية على هذا المصطلح الإنتساب لمملكة نوميديا بالجزائر وموريطنة بالمغرب وقرطاج بتونس، ويبقى السؤال المطروح هنا هل للأمازيغ حضارة حقيقة كما يفرض الواقع التاريخي ؟ وهل حقا مملكتي نوميديا وموريطنة كانت لهما علاقة بما يسمى حاليا الأمازيغ أو البربر قديما ؟

أولا ؛ مملكة نوميديا وموريطنة أي علاقة بالبربر ؟

قبل التفصيل في العلاقة وجب أولا أن نبين منطقة كلا المملكتين وحدودهما ؛ فأما مملكة نوميديا فقد شملت أجزاء من الجزائر وتونس وليبيا، وكذلك جزء في أقصى شرق المغرب حتى وادي ملوية، بينما مملكة موريطنة فقد امتدت من وسط الجزائر الحالية غربًا إلى المحيط الأطلسي ومن شمال المغرب الحالي جنوباً إلى جبال الأطلس. وكلاهم خضع في حقبة محددة لسلطة روما.

بعد شرحنا بإيجاز حدود المملكتين بقى لنا أن نتطرق لأصل سكانهما وهل لهم علاقة بالبربر؟

إقرأ أيضا:بنو معقل وإكتساح بلاد المغرب

في زماننا هذا تطور العلم بتطوره ظهرت حقائق تاريخية أخرى لم يكن لنا علم بها كما توفرت مراجع جديدة تبلغ من القدم مبلغا ككتب سالوست وهيروديت وسترابون إلخ، وإذا إعتمدنا على هذه الكتب سنكتشف بشكل صريح إنعدام أي علاقة عرقية بين النوميد والمور والبربر، فلكل منهم أصل متفرد عن الأخر، وهذا ما أكده ساللوستيوس الروماني، حاكم ولاية إفريقيا الجديدة والذي ترجم الكتب القرطاجية البونيقية التي قال أن كاتبها هو (Hiempsal) هيمبسال.

1 ؛ النوميديون : يقول ساللوستيوس عن أصلهم بإيجاز ؛ ” وقد اختلط هؤلاء الفرس تدريجياً مع الجايتولي Gaetuli عن طريق الزواج، و لأنهم كانوا يتنقلون من مكان إلى أخر ليجربوا خصوبة الأرض فلقد سموا أنفسهم نوميداي {النوميديين ‏Numidae}. ومازالت حتى اليوم منازل المزارعين النوميديين التي يسمونها هم أنفسهم ماباليا‏ Mapalia ذات أشكال مستطيلة وذات أسقف منحنية تشبه تقريباً أبدان السفن كما أسلفنا “.

ومن خلال قول سالوست نتأكد أن النوميد نواتهم الرئيسية هي الفرس الذين إختلطوا بالجيتول سكان المنطقة الأصليين الأفارقة، وهذا ما كان يقوله النوميد نفسهم عن أصلهم لأن ساللوستيوس حكم في إفريقيا وإختلط بشعوبها وكان متقنا لللغة البونيقية الشائعة أنذاك في البلاد.

إقرأ أيضا:أصول سكان شمال إفريقيا القدامى من خلال أقوال ساللوستيوس 86 ق.م

2 ؛ الموريون : يقول ساللوستيوس عن أصلهم ؛ “أما الميديين والأرمينيين وهم شعوب يجاورون الليبيين ولأن هولاء يسكنون أقرب إلى البحر، بينما يسكن الجايتولى إلى الجنوب و لا يبعدون عن المناطق المحروقة بمسافة كبيرة، و استطاع هؤلاء أن يؤسسوا مدناً : بسرعة، وطالما أن ما يفصلهم عن الإسبانيين هو المضائق فقط فإنهم بدأوا يبادلون معهم المنتجات. وبمرور الوقت غير الليبيون اسم هذه الشعوب و دعوهم في اللغة البربرية المافري، الماوري، الموريين Mauri بدلا من الميديين Medi “.

وبالتالي فهو يرجع أصل الموروسي سكان مملكة موريطنة لشعب الميديين، والميديين هم أحد الأقوام التي استوطنت مناطق جبال زاكروس قرب بلاد الشام قديما ويرجع أصلهم إلى الشعوب الأسيوية القديمة، وهو ما يتطابق مع ماقاله المؤرخون قبله. (راجع باقي معلومات ساللوستيوس هنا)

وتجدر الإشارة إلى أن الأصل المشرقي للموروسي هو أمر مجمع عليه من كل المؤرخين الرومان والإغريق تواترا، فلم يرجع واحد منهم أصل المور للليبيين وإعتبرهم أصليين، وقد قدم لنا  بروكوبيوس القيسراني، الذي كتب حرب بيليساريوس ضد الفاندال الذين احتلوا إفريقيا، دليلا صريحا على أصول الموروسي 《المشرقي》فيقول أنه قرأ النقش التالي المنقوش على أعمدة أقيمت في هذه الأماكن (طنجة، الشام) : {Nos Maurusii, qui fugimus a facie Jesu la- tronis filii Nave}، الذي يشير بوضوح إلى سبب فرارهم من سوريا..(راجع هنا)

إقرأ أيضا:إنسان إيغود والبشر المعاصرين

ومن خلال ما سلف يمكن التأكد أن شعب النوميد والموروسي لا علاقة لهم قطعا بالبرابر أو المازيغ حاليا، فالنوميد أصولهم مختلطة بين الفرس والجيتول، بينما الموروسي أصولهم شامية مشرقية، أما التمزيغيون فيدعون أن أصولهم محلية وأنهم سكان أصليين وهذا يتنافى قطعا مع الشعبين الأولين. وهذا شيئ مؤكد حتى لدى مؤرخي البربر نفسهم فلو كان المور والنوميد منهم لوجدنا إشارة لهم في كتب مؤرخي البربر القدامى في عهد الاسلام، بل على العكس من ذالك يقول 《صاحب مفاخر البربر 》في مقدمة كتابه ؛ ” كانت البربر أخر الأمم وأجهلها وأعراها من الفضائل وأبعدها من المكارم”.

ثانيا ؛ الحضارة البربرية بعد الإسلام

يزعم التمزيغيون أن البربر هم من بنو حضارة الإسلام في بلاد المغرب والأندلس وأن العرب سرقو حضارتهم، كما يضيفون أن أكثر علماء العرب في الأندلس كانو بربر فهل لهذه الهرطقات سند تاريخي؟

فأما عن السؤال المتعلق بالحضارة فقد أجاب عنه ابن خَلْدُوْن الْحَضْرَمِيُّ الإِشْبِيْلِيُّ في القرن الرابع عشر ميلادي في فصل طويل نختصره كالتالي ؛ ” في أن المدن والأمصار بافريقية والمغرب قليلة والسَّبَب في ذلك أَن هَذِهِ الْأَقْطَارَ كَانَتْ لِلْبَرْبَرِ..، قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَكَانَ عُمْرَانُهَا كُلُّهُ بَدَوِيًّا وَلَمْ تَسْتَمِرٌ فِيهِم الْحَضَارَةُ حَتَّى تُسْتَكْمَلَ أَحْوَالُهَا وَالدُّوَلُ الَّتِي مَلَكَتْهُمْ مِنَ الإِفْرَنْجَةِ وَالْعَرَبِ لَمْ يَطلْ أَمَدُ مُلْكِهِمْ فِيهِمْ حَتَّى تَرْسَخ الْحَضَارَةُ مِنْهَا فَلَمْ تَزَلْ عَوَائِدُ الْبدَاوَة وَشُؤُونَهَا فَكَانُوا إِلَيْهَا أَقْرَبَ فَلَمْ تَكثُرُ مَبَانِيهِمْ وَأَيْضاً فَالصَّنَائِعُ بَعِيدَةً عَنِ الْبَرْبَر لأنَّهُمْ أَعْرَقُ فِي الْبَدْوِ وَالْصَّنَائِعِ مِنْ تَوَابِعِ الْحَضَارَةِ وَإِنَّمَا تَتِمُ الْمَبَانِي بِها فَلا بُدَّ مِنَ الْحِذَقِ في تَعَلمِها فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْبَرْبَرِ انْتِحَالَ لَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَشَوقُ إلى الْمَبَانِي فَضْلًا عَنِ الْمُدْنِ”. (راجع المصدر هنا)

وكذالك قال إبن خلدون عن الموحدين والمرينيين أنهم كانو بدوا وإنما إنتقلت الحضارة لهم من العرب الأمويين بالأندلس فيقول ؛ “وكذا كانت دولة الموحّدين وزناتة الّتي أظلّتنا كان سفرهم أوّل أمرهم في بيوت سكناهم قبل الملك من الخيام والقياطين..، وانتقلت حضارة بنى أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة لهذا العهد، وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك “. (راجع هنا)

وعليه من خلال قول إبن خلدون مؤسس علم الإجتماع نتأكد أن البرابر لا حضارة تذكر لهم حتى في زمنه وإنما الحضارات التي عاقبها كان مصدرها العرب فالأولى مصدرها بنو أمية والثانية بنو العباس. وهو ما أكده كذالك عالم الإجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (1841م) قائلا ؛ “على أن لدينا من البينات ما يثبت أن البنائين في أيام ملوك البربر كانوا من العرب، فقد روى ابن سعيد 《 أن أميري الموحدين، يوسف ويعقوب المنصور، أحضرا من الأندلس مهندسين لإنشاء جميع المباني التي أقاموها في مراكش ورباط وفاس والمنصورية》”. (راجع هنا)

وإنعدام الحضارة عند البربر شيئ مؤكد تاريخيا ولا يجد سنده عند إبن خلدون فقط بل عند عموم العلماء والمؤرخين عربهم وعجمهم، فنجد البروفيسور الفرنسي Louis Vivien de Saint-Martin يقول في مؤلفه الصادر سنة 1865م ؛ ” احتفظ البربر دائمًا باستقلالهم الوحشي عن الحضارة، حتى في زمن سلطة قرطاج وروما، ولم يتجاوزوا عادات الحياة الرعوية البدوية أو شبه الزراعية”.(راجع هنا)

وكذالك ورد في المجلة العلمية 《The Foreign Quarterly Review, Volume 19》المنشورة سنة 1837م ؛ ” البربر منذ نشأتهم، عاشوا في حالة همجية، ولم يكن لهم أي صلة بالأمم المتحضرة (راجع هنا)

كما جاء في المجلة العلمية : The Academy Volume 6, p288‏ المنشورة سنة 1874م : ” البربر…، كانوا مجموعة فظة وجاهلة، يتحدثون ولكن بشكل غير كامل اللغة العربية، ومعظمهم يعتنقون اليهودية، أو غارقون في أعماق عبادة الأصنام، غير قادرين على تلقي الحضارة أو نقلها “. (راجع هنا)

وأما عن السؤال الثاني حول أصول العلماء الأندلسيين يقول العالم والفقيه إبن صاعدالأندلسي القرطبي (1029-1070م)، في كتابه {طبقات الأمم} : “ فاما الطبقة التي عنيت بالعلوم فثمانية أمم الهند والفرس والكلدانيون والعبرانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب “.

وعن البربر يقول ؛ ” إن البربر من طبقة الأمم التي لم تعنى بالعلوم والتي خصها الله عز وجل بالطغيان والجهل، وعمها بالعدوان والظلم “.

وفي دراسة إحصائية حديثة أجراها المجلس الأعلى للتحقيقات العلمية الإسباني {Consejo Superior de Investigaciones Científicas }، على أكثر من 11 ألف مخطوط لعلماء أندلسيين مختلفين، خلصوا إلى أن ما يقارب 85% من العلماء هم عرب الأصول والأنساب، بينما شكل المولودون نسبة 13% فقط، والبربر 2%.

وقد تصدر قائمة العلماء العرب في الأندلس قبائل الأنصار بما يعادل 950 عالم، ثم القيسيون بما يعادل 390 عالم، ثم اللخميون بما يعادل 350 عالم، وتليهم بنو تجيب بما يعادل 290 عالم، وبعدهم تأتي قبيلة الأزد بما يعادل 220 عالم، وبنو معافر بما يعادل 210 عالم، وبنو غافق بما يعادل 190 عالم وغيرهم كما هو مبين في المبيان أسفله.

راجع باقي الدراسة هنا

السابق
#تطبيق السنة الإدارية
التالي
القراءة التخصصية لنفع الأمة الإسلامية

اترك تعليقاً